ترجمات

كيف تساعد شركات التواصل الاجتماعي الحكومات الاستبدادية على مراقبة الإنترنت

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

لوري كلارك وكاثرين سوينديلز* – (ذا نيو ستيتسمان) 9/6/2021
كان رئيس نيجيريا، محمد بخاري، غاضبًا للغاية عندما حذف “تويتر” منشوره يوم الأربعاء، الثاني من حزيران (يونيو)، لدرجة أنه أمر شبكات الهاتف المحمول في البلاد بحظر الوصول إلى شبكة التواصل الاجتماعية، وأمر الذين يبثون عليها بحذف حساباتهم. وفي حين أن التعليق الذي نشره بخاري -الذي بدا وكأنه يهدد بإعادة نيجيريا إلى العنف المروع الذي شهدته في حربها الأهلية في العام 1967- يبدو بالتأكيد انتهاكًا لسياسات “تويتر”، إلا أن ما حدث كان تدخلاً سياسياً غير عادي من جانب الشركة (عندما هدد دونالد ترامب الأشخاص الذين يحتجون على قتل جورج فلويد بـ”إطلاق النار” عليهم، تم الإبلاغ عن المنشور والتحذير منه فقط). والشكل الأكثر شيوعًا هو الطلبات التي تقدمها الحكومات لإزالة المشاركات التي ذات المحتوى المنتقِد -وغالبًا ما تكون شركات وسائل التواصل الاجتماعي على استعداد للامتثال.
يمكن للشركات تقييد أنواع معينة من المحتوى في ولايات قضائية مختلفة. وتنص سياساتها على رفض الطلبات “غير الملائمة”، والتأكد من أن المحتوى الذي تمت إزالته ينتهك قواعد النظام الأساسي أو القوانين المحلية. لكن ما هو قانوني ليس عادلاً بالضرورة. وفي الأعوام القليلة الماضية، أدخلت الحكومات في جميع أنحاء العالم موجة من القوانين الجديدة التي تحكم التعبير عبر الإنترنت. وفي البلدان التي تقيد حرية التعبير، يُعرَض على منصات وسائل التواصل الاجتماعي الاختيار بين المساعدة على القمع أو فقدان وصولها إلى الأسواق المربحة في تلك البلدان.
فحصت مجلة “نيو ستيتسمان” بيانات “فيسبوك” و”غوغل” و”تويتر”، ووجدت أن البلدان التي تتمتع بحرية إنترنت أقل (وفقًا لتقرير “الحرية على الإنترنت” السنوي الذي تصدره منظمة “فريدوم هاوس” الأميركية غير الحكومية) تميل إلى تقديم معظم طلبات إزالة المحتوى، خاصة لأسباب مثل “انتقاد الحكومة” و”الأمن القومي”. وتشمل هذه الدول روسيا، والهند، وتركيا، وكوريا الجنوبية، والبرازيل، وفيتنام وتايلاند.
بما أن الهند كانت غارقة في موجة ثانية من “كوفيد -19″، على سبيل المثال، حاولت الحكومة قمع الانتقادات التي طالتها عبر الإنترنت حول طريقة تعاملها مع الأزمة. وفي الشهر الماضي، أمرت الحكومة الهندية “تويتر” و”فيسبوك” و”إنستغرام” بحجب حوالي 100 من منشورات وسائل التواصل الاجتماعي المهمة في البلاد -بالتزامن مع فرض حظر مؤقت على “الهاشتاغ” المنشور على “فيسبوك” الذي يطالب باستقالة رئيس وزرائها، “ResignModi”. وهو نمط من الرقابة على الإنترنت أصبح شائعًا بشكل متزايد في الديمقراطيات التي تعاني مع الديمقراطية. وتم استهداف أنصار احتجاجات المزارعين التي أخرجت ملايين المواطنين إلى شوارع دلهي بالطريقة نفسها في وقت سابق من هذا العام.
في الهند، تتم معظم طلبات إزالة المحتوى بموجب “قانون تكنولوجيا المعلومات” الذي أقره ائتلاف بقيادة حزب بهاراتيا جاناتا الذي يرأسه رئيس الوزراء الحالي، ناريندرا مودي. وتخول المادة (69 أ) من هذا القانون الحكومة بحظر أي معلومات رقمية ترى أن حظرها ضروري لحماية سيادة الهند وأمنها.
وفي الآونة الأخيرة، عززت الحكومة الهندية القانون بشكل أكبر عندما فشلت في تعليق عدد من حسابات “تويتر” الداعمة لاحتجاجات المزارعين. ويقول روهين جارج، مستشار السياسة المساعد في “مؤسسة حرية الإنترنت الهندية”، إن “ما بدا وكأنه انتصار صغير أولي تبعته في الواقع حملة قمع كبيرة جدًا”.
وتستهدف القواعد الجديدة، التي طُرحت في آذار (مارس)، مسألة التشفير، وتفرض على المنصات التحقق من هويات المستخدمين وتنفيذ حدود زمنية صارمة لإزالة المحتوى أو تقاسم معلومات المستخدِم مع جهات إنفاذ القانون، وتوسيع قدرة الحكومة على إزالة محتوى الوسائط الإخبارية. ويقول جارج إن هذه “قيود كثيفة جدًا على حرية التعبير بمجموعة من الطرق”.
تؤشر حملات القمع التي تشنها الحكومة الهندية على وسائل التواصل الاجتماعي على تحوُّل أكثر انتشارًا إلى الاستبداد. وشهد “مؤشر الديمقراطية للعام 2020” الصادر عن وحدة الاستخبارات في مجلة “الإيكونوميست”، تراجع الهند من المركز 27 إلى المركز 53 تحت قيادة مودي. ويقول جارج: “تفاقم هذا مع ظهور هذه الموجة الأخيرة من الجائحة”. وقد وصفت حكومة مودي المتطوعين الذين يساعدون الناس أثناء تفشي المرض بأنهم عملاء للمعارضة. ويضيف جارج: “قال رئيس وزراء ولاية أوتار براديش، الولاية الأكثر اكتظاظًا بالسكان في الهند، إن أي شخص يقول إنه ليس لدينا ما يكفي من الأكسجين أو يطلب أي مساعدة من هذا النوع سيتم اعتقاله ومصادرة ممتلكاته”.
تسلط بيانات الشفافية في “غوغل” الضوء على تلقي الشركة في الأشهر الأخيرة طلبات متعددة من سلطات إنفاذ القانون الهندية لإزالة مقاطع فيديو من على “يوتيوب” حول “كوفيد -19″، والتي تراوح محتواها بين “نظريات المؤامرة وخطاب الكراهية الدينية” و”التقارير الإخبارية وانتقاد تعامل السلطات مع الوباء”.
ووجد تحليل “نيو ستيتسمان” أنه بين كانون الثاني (يناير) 2019 وحزيران (يونيو) 2020، كانت هناك ثلاث دول تحتل المرتبة الأولى بين الدول العشر الأولى لطلبات الإزالة بذرائع “الأمن القومي” و”نقد الحكومة” و”الإساءة الدينية”، والتي لديها حرية كاملة للإنترنت. وهذه الدول هي فرنسا، وألمانيا، والمملكة المتحدة. ووفقًا لـ”مؤشر الديمقراطية 2020″، فإن ألمانيا والمملكة المتحدة فقط مؤهلتان كديمقراطيات كاملة، حيث أعيد تصنيف فرنسا على أنها “ديمقراطية معيبة” هذا العام.
أما روسيا، التي قدمت معظم طلبات الإزالة، فمعروفة بحملات القمع التي تشنها على الإنترنت. وقد أدخلت مؤخرًا تدابير جديدة لخنق الوصول إلى مواقع التواصل الاجتماعي، وهي تقوم ببناء إنترنت سيادي لمنح الحكومة مزيدًا من السيطرة على ما يمكن لمواطنيها رؤيته على الإنترنت.
على عكس “غوغل”، لا تقسم “فيسبوك” و”تويتر” طلبات إزالة المحتوى الناجحة إلى فئات. لكن البيانات تُظهر أن البلدان التي تحتل المرتبة الأولى في طلبات إزالة المحتوى بسبب “انتقادات الحكومة” و”الأمن القومي” و”الإساءة الدينية” من “غوغل” تميل أيضًا إلى احتلال مرتبة عالية في إجمالي طلبات إزالة المحتوى عبر المنصات الأساسية الثلاثة جميعاً. وتحتل المكسيك والبرازيل وكوريا الجنوبية، وجميعها تتمتع بحرية جزئية للإنترنت، مراتب بين الدول العشر الأولى من حيث إجمالي طلبات الإزالة.
تقول جيليان يورك، مديرة حرية التعبير الدولية في “مؤسسة الحدود الإلكترونية”، والتي تجري بحوثاً حول تعديل محتوى الوسائط الاجتماعية على مدى الأعوام العشرة الماضية، إن المنصات كانت تستسلم لطلبات الحكومات الاستبدادية “منذ العام 2007، عندما اتخذ موقع ‘يوتيوب’ قرارًا أولاً بإزالة محتوى بناءً على طلبات من حكومتي تركيا وتايلاند. وقد ازداد الوضع سوءًا بمرور الوقت، مع استسلام الشركات للحكومات الاستبدادية بشكل متزايد، بما في ذلك دول عربية في بعض الأحيان”.
ثمة عدد من الدول التي تضغط على شركات وسائل التواصل الاجتماعي لتوظيف مديرين تنفيذيين محليين حتى يكونوا أكثر استجابة لمطالب الحكومة. وقد وافقت كل من “يوتيوب” و”فيسبوك” و”تيك-توك” و”تويتر” على ذلك في تركيا، على الرغم من ضغوط نشطاء الحقوق الرقمية. وهذا يعني أن “منصات وسائل التواصل الاجتماعي ستضطر إلى الامتثال لكل قرار حظر وإزالة تتلقاه”، كما يقول يامان أكدينيز، أستاذ القانون في جامعة بيلجي في إسطنبول. “وإلا فسيتم تحميلها المسؤولية عن المحتوى الذي لم تقم بحظره أو إزالته”. وفي الهند، هدد المسؤولون الحكوميون المديرين التنفيذيين في “تويتر” بالسجن إذا فشلوا في التصرف بناءً على مطالب إزالة المحتوى.
بمجرد أن يصبح المديرون المحليّون على رأس عملهم، يكون لدى الشركات دافع إضافي للامتثال لطلبات الحكومة من أجل حمايتهم. وتقول يورك: “يجب أن يكون السؤال عندئذٍ هو ما الذي يؤخذ في الاعتبار عند اتخاذ قرار بفتح مكتب في بلد معين. عندما يفتتح ‘فيسبوك’ و‘تويتر’ و‘غوغل’ مكاتب في دبي، مثلاً، فإنهم يكونون بالتأكيد على دراية بسجلها في مجال حقوق الإنسان”.
من المهم ملاحظة أن البيانات التي توفرها المنصات الأساسية ليست الصورة الكاملة، ولكنها ببساطة العنصر الأكثر وضوحًا. وهناك طرق أخرى أقل وضوحًا تستخدمها الدول للتأثير في حرية التعبير عبر الإنترنت من خلال علاقاتها مع شركات وسائل التواصل الاجتماعي. وتقول يورك: “الأشخاص الذين تحدثت إليهم والذين عملوا في هذه الشركات يشيرون جميعًا إلى الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وإسرائيل باعتبارها جهات مؤثرة رئيسية في سياسات هذه الشركات، بطرق مختلفة”.
شهد هذا العام توسيعًا كبيرًا لفئة المعلومات المضللة (أي الخطاب القانوني) التي تتخذ منصات التواصل الاجتماعي إجراءات بشأنها. وفي جلسات الاستماع البرلمانية مع شركات التكنولوجيا، من الشائع رؤية المشرعين البريطانيين والأميركيين وهم يطالبون شركات التواصل الاجتماعي بإزالة المزيد من الخطاب، سواء أكان قانونياً أو غير قانوني. وقد أرسل أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي مؤخرًا خطابًا إلى “فيسبوك” يطالبون فيه بإزالة 12 حساب مستخدم فردي أطلقوا عليها اسم “دزينة المعلومات المضللة”.
كما أنشأت بعض الدول، منها فرنسا وإسرائيل وفيتنام، قنوات خلفية للضغط على الشركات بشأن المحتوى. وتستخدم “وحدة الإنترنت” في إسرائيل آلية “للإنفاذ البديل” للضغط على المنصات لإزالة المحتوى طوعًا خارج إطار القانون، وهو شيء يقول نشطاء حقوقيون إنه يُستخدم بشكل غير متناسب لإسكات صوت الفلسطينيين. وفي الأثناء، وجد تحقيق أجرته صحيفة “وول ستريت جورنال” أن رئيس السياسة العامة لـ”فيسبوك” في الهند له علاقات وثيقة مع حزب بهاراتيا جاناتا، وربما يكون ذلك قد أثر على القرارات الخاصة بالمحتوى التي اتخذتها “فيسبوك” في الهند.
ولا تقدم الدول الأكثر ديمقراطية طلبات أكثر منطقية بالضرورة لإزالة المحتوى أيضًا. وتُظهر بيانات “غوغل” أن فرنسا طلبت مؤخرًا إزالة مقاطع فيديو من “يوتيوب”، تحتوي على تسجيلات صوتية لجلسات استماع برلمانية سرية، ومشاركةً على “غوغل+” مع صورة تصور اثنين من كبار المسؤولين الحكوميين على أنهما ديكتاتوران.
لعل السؤال الأكثر إقلاقاً في كل هذا هو ما إذا كان يجب أن تلتزم الشركات بالقوانين المحلية، أو أن عليها الاسترشاد بمجموعة أعلى من القيم. وتشير يورك إلى أن بعض إجراءات “غوغل” و”فيسبوك” قد تتعارض مع الالتزامات التي تعهدت بها عند انضمامها إلى “مبادرة الشبكة العالمية”، وهي منظمة غير حكومية تهدف إلى وضع حد لرقابة الحكومات الاستبدادية على الإنترنت.
تقول بريندا دفوسكين، المرشحة لنيل درجة الدكتوراه في كلية الحقوق بجامعة هارفارد: “يقدم القانون الدولي لحقوق الإنسان مجموعة جيدة من المبادئ للشركات لتقييم الالتزامات المحلية. وتتحمل الشركات مسؤولية ما تفعله خدماتها في العالم. وإذا كانت تُسكت النشطاء أو تنشر التحريض على العنف، فإنها مسؤولة عن هذه الأعمال”.
ومن جهتها، تجادل شركات وسائل التواصل الاجتماعية بأنه إذا تم قطع خدماتها، فإن الناس في البلدان الاستبدادية سيكونون أسوأ حالًا مع وجود وسائل أقل للتواصل. ويتعاطف جارج إلى حد ما مع هذه الحجة، ويقول إنه إذا رفضت الشركات طلب الحكومة الهندية، فإنها قد تحظرها كما فعلت مع تطبيق مشاركة الفيديو “تيك-توك” في العام الماضي. وبدلاً من ذلك، فإن المطلوب، كما يقول، هو مزيد من الشفافية والمساءلة للقرارات التي تتخذها المنصات.
لكن إذعان منصات وسائل التواصل الاجتماعي لمطالب الحكومات يمكن أن يؤثر على طريقة نظر المستخدمين إليها. وبحسب أكدينيز، فإن رغبة منصات التواصل الاجتماعي في العمل مع الحكومة التركية تركت البعض محبطين. ويقول: “لا سيما المنشقون والمعارضة، الذين هم غير سعداء على الإطلاق ولم يعودوا يثقون بهذه الشركات. يبدو أن أحداً لم يعد يصدق رسائلها ‘كن مطمئناً’”.

*Laurie Clarke: مراسلة التكنولوجيا في “نيو ستيتسمان”. Katharine Swindells: صحفية البيانات في “مجموعة نيو ستيتسمان الإعلامية”.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: How social media companies help authoritarian governments censor the internet

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock