حياتنامنوعات

كيف تشوه مواقع التواصل الاجتماعي مفهوم الفن والجمال؟

الغد– يظهرون في أماكن جميلة، يرتدون ثيابا أنيقة وينعمون بحياة هانئة، يقدمون صورا رائعة عن أنفسهم وبيوتهم وأزواجهم أو شركائهم. يتقنون تصوير “فن التفاصيل الصغيرة” ويغرقون مواقع التواصل الاجتماعي بتلك الصور “الجميلة” كمعادل للفن والجمال، فهل هذا حقا هو الفن والجمال؟.

نرى اليوم على تلك المواقع قطاعا عريضا من الشباب والفتيات المهووسين بالتصوير، وهو الأمر الذي تخطى فكرة التصوير الفوتوغرافي، كموهبة أو طرح صور فوتوغرافية كعمل فني، ووصل إلى حد الهوس بتصوير الذات وكافة تفاصيل الحياة اليومية واستعراضها.

ما هو الفني والجميل؟
في معرض حديثه عن النظرية الجمالية، كان للفيلسوف الألماني ثيودور أدورنو (1903–1969) عبارة موجزة يقول فيها “الرأسمالية نزعت الفن عن نفسه”.

هذه العبارة على قصرها تختزل كما هائلا من المعاني الدقيقة جدا. وبالرغم من أن أدورنو نفسه توفى في أغسطس/آب 1969، فإن عبارته تلك كانت ذات قدرة تنبؤية غريبة للانحدار الذي سيصل له الفن بل وكل ما يندرج تحت مسمى “الجمال”.

فقد ساهمت وسائل التواصل في تصدير نمط حياة برجوازي تماما على أنه عمق أو فن. وعادة ما يتم مزج فن التفاصيل الصغيرة بالتوجه الأيديولوجي أو الديني بحيث يظهر هذا النمط أكثر ثقلا من كونه مجرد استعراضات فارغة.

وبالرغم من أن العديد من الدراسات النفسية تناولت الآثار المدمرة لهذا النوع من الاستعراض، سواء على الشخص الذي يقوم بالفعل أو المتابعين له، إلا أن الظاهرة في ازدياد وقد صارت طريقا سهلا ومضمونا لكسب عدد كبير من المتابعين.

وطرحت جريدة إندبندنت – كما نقلت الجزيرة- في مقال حول هوس التصوير الفوتوغرافي للكاتب مايكل بايوتر- الوجه الأكثر بؤسا لهوس التصوير الفوتوغرافي. وهو أن “الصورة صارت سلعة” والجميع يرغب في اقتنائها. ووفقا للمقال، فقد صار العالم مسطحا ومقيدا بشاشة الكاميرا، وهذا مكمن الخطر.

على سبيل المثال، يعج موقع التواصل “إنستغرام” بملايين الصور لفتيات وشباب في أماكن جميلة بملابس باهظة سواء محتشمة أو متحررة. ومع كل صورة قصة ظريفة جدا ذات معنى فني أو أدبي عميق. وهذا هو بالتحديد مكمن الخطر، والسم في العسل.

فهذه الصورة الفوتوغرافية الجميلة جدا: نجد فيها فتاة مثلا بفستان قصير بين الزهور، يداعب شعرها الهواء. سيتم تصديرها على وسائل التواصل على أنها تعبر عن الحرية. ثم وبشكل مأساوي جدا يتم اقتصار الحرية على أنها هذا النمط من الحياة.

في حين لو أننا حللنا الصورة بعين العقل والمنطق، سنجد أن أي فتاة أخرى تحتاج لمبلغ لا بأس به من المال لتشتري فستانا مثل الموجود بالصورة، ومكانا جذابا مليئا بالمناظر الطبيعية إضافة إلى مستحضرات التجميل والإكسسوارات. فإذا كان أي متابع/متابعة لهذا النوع من الصور يريد أن يكون له/لها بعض الصور مثلها، سيجد أنه يحتاج قدرا لا بأس به من المال للصورة الواحدة.

الأخطر من ذلك، أن هذا النمط الاستعراضي/البرجوازي صار وسيلة مضمونة ومريحة لعدد ضخم من الشباب في أن يصبحوا مشاهير (public figures) إلا أن الأمر لا يتوقف عند هذا الشخص الذي يسوق لنفسه أو يستعرض حياته. فهذا النمط يخلق حالة سخط شديدة داخل نفوس الطبقات الاجتماعية الأقل حظا والأفقر وحتى أبناء الطبقات المتوسطة ماديا الذين لا يستطيعون مسايرة هذا الاستعراض البرجوازي الفج.

وبينما لا تستطيع فتاة من طبقة متوسطة أن تنشر صورا يومية أو أسبوعية على وسائل التواصل عن علاقاتها الحميمية وملبسها ومشربها وأغراضها الشخصية مصورة بكاميرا احترافية، ستقتنع بمرور الوقت أن هذا النمط البرجوازي جدا هو السعادة والحرية والفن والجمال.

الذكريات الكاذبة
كذلك، تمتد آثار هوس استعراض الحياة الشخصية على وسائل التواصل إلى ما هو أبعد من تشويه مفاهيم الفن والجمال. فاستعراض الشخص تفاصيل حياته عبر الصور الفوتوغرافية يشوه طريقة الدماغ في تذكر الماضي، حسبما تقول جوليانا مازوني أستاذة علم النفس بجامعة هال.

فالانغماس في تصوير الأحداث وتخزين كل الصور على مواقع التواصل أو الهواتف الذكية يجعل الإنسان بشكل تلقائي ضعيف الذاكرة. لأنه لا يعمل عقله في حفظ الذكريات التي صار مضمونا حفظها على أي جهاز ذكي. فقد أصبح المصور هنا خارج الحدث وليس جزءا منه.

وبالعودة لعبارة أدورنو عن أن الرأسمالية نزعت الفن عن نفسه، فإن الروح الفنية أو الطابع الفني يمكن أن يوجد في لوحة مرسومة أو قصيدة مكتوبة لكن ليست بالتأكيد في صورة شخصية إنسان يستعرض حياته البرجوازية الرائعة ليشبع إحساسه بالعظمة. وتصبح عملية التوثيق هنا ليست للذكريات بل للقبض على الإحساس بالعظمة وتخليده.

وورد بالدورية الطبية الصادرة عن المؤسسة الأميركية للقلق والاكتئاب أن هوس الظهور المثالي على مواقع التواصل قد يدفع البعض للتفكير في الانتحار، لأن المتابع قد لا يتحلى بحس نقدي ليفهم أن كل تلك الصور ليست معادلا حقيقيا للسعادة أو الفن والجمال.

وتقول أيضا “يرى الكثير من الأشخاص أن شخصا ما على فيسبوك لديه وظيفة رائعة وزوجة/زوج ممتاز ومنزل جميل. وقد يشعر الناس بالسعادة تجاه هذا الشخص المحظوظ. لكن قد يشعر آخرون بالغيرة والاكتئاب، أو الرغبة في الانتحار هربا من حياتهم غير المثالية مثل تلك التي يرونها على فيسبوك”.

افتقارنا للحرية الجمالية/الفنية، والعيش في وهم الصورة -يقول أدورنو- سيصبح مع الوقت عقبة أمام حريتنا الاجتماعية. فضمور الذوق الفني للمجتمع، وتسطيح مفاهيم رئيسية ومهمة لبقاء الإنسان (مثل الفن والجمال) وحبسها في صور يمكن الحصول عليه فقط بثمن باهظ، سيلحق الضرر في النهاية بقدرتنا على تمييز الطيب من الخبيث.

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
43 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock