إربدالسلايدر الرئيسيمحافظات

كيف تعيش قرى إربد المعزولة عن الحياة في زمن الكورونا؟

أحمد بني هاني

إربد- في السادس والعشرين من آذار المنصرم، أعلنت الحكومة جملة إجراءات احترازية إضافية لوقف تفشي جائحة كورونا، تمثلت في عزل محافظة إربد عن باقي المحافظات الأردنية، بالإضافة إلى عزل سبع قرى عن المناطق المحيطة بها، وذلك بعد تسجيل 40 إصابة بالفيروس، 26 منها سُجلّت في محافظة إربد، كما جاء على لسان وزير الدولة لشؤون الإعلام أمجد العضايلة في الإيجاز الصحفي من مساء اليوم ذاته.
العضايلة أكد أن قرار عزل إربد وبعض المناطق والقرى فيها، يهدف إلى الحدّ من انتشار الفيروس والسيطرة عليه، لذلك، لن يسمح بالدخول أو الخروج من المناطق المعزولة إلا للمصرح لهم، إذ أغلقت جميع المداخل الرئيسة للمحافظة، كما تنتشر نقاط التفتيش على الطرق الواصلة بين قرى الألوية ومركز المدينة.
ظروف العزل هذه، تلقي بتبعاتها على أهالي المدينة البالغ عددهم 1.8 مليون نسمة، والقرى المعزولة الأكثر تضرراً كما يروي سكانها عن معاناتهم، ومنهم مازن شاهين، صاحب بقالة في قرية الحصن التي شملها قرار العزل، والذي يصف حالته بالقول: “سكرت دكانتي وروحت على الدار، الرفوف فاضية وما ظل إشي أبيعه للناس”.
ويوضح شاهين أن معاناته في جلب البضائع لبقالته بدأت قبل عزل قريته، لأن الموزعين لم يزودوهم باحتياجاتهم، إما لعدم امتلاكهم تصريحاً، أو بسبب خوفهم من دخول المناطق التي سجلت فيها حالات إصابة بالفيروس المتفشي، إذ يرفضون القدوم إلى “مناطق موبوءة”، وفقاً لشاهين الذي اضطر للمغامرة بالذهاب إلى مستودعات بعيدة عن مكان سكنه بسيارته دون امتلاكه تصريحاً، لكن بلا جدوى، لأن المستودعات فارغة.
ويزداد الوضع سوءاً يوماً بعد آخر في الحصن، فرغم سماح الحكومة بفتح البقالات الصغيرة ومحال الموادّ التموينية، لكن البضاعة غير متوفرة، ويضيف شاهين أن الناس أصبحت تطلب الشراء بالدّيْن، نتيجة توقف أعمالهم وانقطاع دخولهم، وهذا يزيد معاناة التاجر الذي يبيع لينفق على عائلته أيضاً.
شحّ المواد الغذائية
في قرى إربد المعزولة، يواجه الموزعون الذين يبيعون المنتجات والبضائع لمتاجر التجزئة، المعاناة ذاتها، فنفاذ البضائع من المستودعات أوقف عملهم، بالإضافة إلى عدم امتلاكهم لتصاريح الأمر الذي حال دون الاستمرار بعملهم، كما يوضح الموزع أبو راشد، مشيراً إلى أن التجار في عمّان والمناطق القريبة يستمرون برفض رفدهم بالبضائع بسبب خوفهم، فانتهى الحال بالبقالات والمحالّ التموينية إلى الإغلاق بسبب نفاد البضاعة.
ويستغرب أبو راشد تخوف التجار من دخول إربد، رغم اتخاذهم احتياطات وإجراءات الوقاية، قائلاً: “نستعمل هايجين وكمامات بس خايفين ييجوا علينا”، لافتاً إلى مشكلة أخرى تتعلق بطلب التجار الدفع بطريقة الكاش، ولا يقبلون حالياً الشيكات البنكية أو الذمم كما في السابق، بالإضافة إلى اضطرار الموزع لتوفير سيارة لنقل البضاعة المطلوبة.
واشتكى الكثير من القطاعات من التضرر منذ فرض الحظر، لكن الأثر أشدّ وطأة على القرى التي تعيش ظروف العزل، في ظلّ تزويد شحيح جدا بحسب أبو راشد.
رئيس غرفة تجارة إربد محمد الشوحة، حذر في وقت سابق من نقص عمليات التزويد للمواد الغذائية والتموينية المختلفة إلى المحافظة، وخاصة من عمّان لأسباب تتعلق بالحصول على تصاريح التنقل، ويوضح الشوحة أن غرفة التجارة سعت لإيجاد حلول لمشكلة التزويد من خلال استصدار 4600 تصريح تنقل للتجار المسجلين بالغرفة التجارية، وتقديم نحو 3 آلاف طلب للحصول على تصاريح أخرى وبانتظار الموافقة عليها من وزارة الصناعة والتجارة.
وتجتهد غرفة تجارة إربد حاليا في توفير المواد الأساسية مثل الأرز والسكر والزيت والمعلبات بأنواعها، يوضح الشوحة، أما الموادّ الغذائية الثانوية مثل البوظة وغيرها ليست مهمة بقدر الأساسيات لكل أسرة، داعيا المواطنين إلى عدم التهافت على المحال لشراء البضاعة، تجنباً لتفشي العدوى ما يؤدي إلى استمرار المعاناة لفترات أطول.
ويؤكد الشوحة أن التجار في إربد وعمان يعيشون المشاكل ذاتها، فهناك شكاوى من ضعف التزويد في المدينتين ولا يقتصر الأمر على المدينة المعزولة. واصفا المعاناة بقوله “الوضع كان مثل عراس القطاط اللي فوق بصيح واللي تحت بصيح ومش عارفين مين فيهم بتوجع”.
حال جحفية الأسوأ
سجلت قرية جحفية ما يزيد على 90 إصابة كانوا قد شاركوا في حفل زفاف أسهم بنشر العدوى بين الحضور الذين بلغ عددهم 400 شخص، لتتحول القرية إلى مصدر الإصابات المسجلة في المدينة، ويشكل عدد المصابين المقيمين فيها 98 % من إجمالي الإصابات في إربد.
“عشرات الإصابات بالفيروس في القرية، خوف وهلع كبير من السكان البالغ عددهم 5 آلاف شخص تقريبا، وهم بدون وسائل وقاية، بسبب نقص الكمامات ومواد تعقيم والخدمات أيضاً”، هكذا يصف عضو مجلس محلي جحفية، علي الطلافحة حال سكان القرية، مشيراً إلى أن صيدلية واحدة، ومخبزا واحدا فقط يعمل فيها، ومن 4-5 محلات تجارية، ويمنع الدخول والخروج إلا للأشخاص المصرح لهم فقط، حيث وضعت سواتر ترابية ونقاط غلق من الجيش والأجهزة الأمنية، مؤكداً أن وضع جحفية كان صعباً مع حظر التجوال، وازداد سوءاً مع العزل.
نقص المواد الأساسية يعود إلى خوف الموزعين والسائقين من الدخول إلى القرية، يؤكد الطلافحة، ويسمونها “منطقة موبوءة”، وهذه الحال أدت إلى فقدان حليب الأطفال من صيدلية القرية الوحيدة، كما أن كميات الخضار والفواكه في المحلات لا تكفي سوى 5 % من حاجة السكان وأسعارها مرتفعة.
في الثامن والعشرين من آذار الماضي، أي بعد العزل بيومين، قام الجيش بتزويد القرية بالخبز والمواد الأساسية، وكذلك محافظ إربد قام بنفس الأمر، لكن بعد ذلك لم تصل السكان أي مساعدات، وفقاً لـ الطلافحة، مشيراً إلى أن الخبز ليس كل شيء بقوله: “مسؤولينا إذ وفروا الخبز بفكروا كل اشي توفر وكمان الشبعان ما بتطلع على الجيعان والمعاناة مستمرة”، مؤكداً على صعوبة الظروف التي تمر بها القرية.
كما أن الأحوال المادية ساءت بسبب توقف العمل اليومي أو عدم وجود فروع بنكية قريبة، كما أن العسكريين لم يعودوا لبيوتهم منذ 14 يوما، وغالبيتهم لم يستطع توصيل الراتب لأسرته، بالتالي هناك صعوبة لدى السكان بشراء الحاجات.
أعاق قرار عزل القرية بسبب الوباء أم وسام عن صرف العلاجات الشهرية لزوجها الذي يعاني من نوبات الصرع منذ 15 عاماً، إذ انقضى موعد صرف دواء (لامور) الخميس الماضي لأن القرية مغلقة، وعادة تصرف له كمية تكفيه لمدة شهر. كما تقول أم وسام التي تعاني يومياً مع زوجها، وأحياناً تضطر لطلب الدفاع المدني عندما تصيبه نوبات الصرع والتشنج، بسبب منع الخروج من المنازل، أما الدفاع المدني اعتبر الحالة ليست طارئة، لكنها تؤكد على أهمية الدواء الذي يقلل النوبات التي تصيب زوجها، تجنباً لحدوث مشاكل أخرى معه، وخاصة أنه عانى من نزيف في الدماغ بسبب سقوطه على الأرض قبل فترة. وفقاً لروايتها.
استطاعت الزوجة الحصول على كمية قليلة من النوع ذاته من الدواء من أحد الأشخاص، لكنها ستكفي زوجها مدة محددة فقط، علماً أنه لا يتوفر بالصيدلية أيضاً، ووضع الأسرة المادي بسيط لأن الزوج ترك عمله في البلاط لما يشكله من خطر على حالته الصحية.
في الوقت ذاته، يؤكد مدير مديرية صحة إربد الدكتور قاسم مياس، أن المديرية قامت بفتح 10 مراكز شاملة في المحافظة، إذ يبدأ العمل فيها من الساعة 8 صباحا وحتى 2 ظهرا، بهدف صرف العلاجات الشهرية للمرضى، إلى جانب وجود عدد من المتطوعين وفرق الدفاع المدني للحالات الطارئة.
ويتم صرف الدواء للمرضى من هذه المراكز وفي حال عدم توفره يصرف من مستشفيات الصحة والعيادات الخارجية لمستشفى الأميرة بسمة، بحسب مياس، قائلاً إن العلاج غير المتوفر بالمراكز والمستشفيات يصعب تأمينه للمرضى. مؤكداً أنه جرى صرف غالبية العلاجات الشهرية للمرضى خلال الأيام القليلة الماضية، إذ باشرت المديرية عملها بهذا الخصوص الأسبوع الماضي، داعيا المرضى أو من ينوب عنهم إلى عدم التجمهر عند هذه المراكز التزاما بشروط السلامة العامة وتلافيا لانتشار الفيروس.
ورغم المعاناة المعيشية والاقتصادية، إلا أن عضو لجنة مكافحة الأوبئة ومسؤول حالات كورونا في إربد الدكتور وائل هياجنة يرى أن الوضع الوبائي في المدينة يتحسن تدريجيا، وبحذر، وهذا دليل على جدوى العزل والالتزام بالتعليمات والوقاية من الفيروس.
ويوضح أن حالات الإصابة شهدت انخفاضا بشكل كبير بعد حصر الإصابات من فرق التقصي الوبائي في المدينة، وسيكون الوضع مبشراً في حال استمرار الالتزام، كما أن وزارة الصحة زادت عدد فرق التقصي الوبائي بإربد في 27 آذار الماضي، إلى 25 فريقا من أصل 80 فريقاً في المملكة.
انقطاع عن العمل
أحمد الفالح الذي يقطن قرية أيدون المعزولة أيضاً، يروي معاناته بعد توقف عمله وانقطاع مصدر رزقه الوحيد في جمع الخردة، يقول “كنت أطلع الصبح بكير أجمع الخردة واشتري من الأحياء ومرات أجمع شغلات عن الطرق. كانت مستورة والحمد لله”.
معاناة الفالح بدأت بعد قرار تعطيل المؤسسات الحكومية والخاصة اعتبارا من 18 آذار الماضي ولمدة أسبوعين، وعدم الخروج من المنازل ومنع الانتقال بين المحافظات، موضحاً أنه عامل مياومة إذا عمل يأكل هو وأسرته بقوت يومه، وإن توقف عمله ليوم، لا يستطيع الإنفاق على أسرته.
“أولادي بدهم حليب وفوط عندي اثنين صغار وأطفال بدهم احتياجات وإلهم طلباتهم زي باقي الأطفال”، يصف الفالح الوضع مشيرا إلى أن يوميته كانت تتراوح بين 15-20 دينارا باليوم الواحد، وبعد مرور أكثر من أسبوعين على الحجر ثم العزل الوضع ازداد سوءا عن السابق، ما أجبره على اللجوء إلى الدين من معارفه وحتى البقالة، لكن عندما نفدت بضاعتها لم يعد هنالك مصدر آخر.علي الطلافحة وهو ناشط ويترأس جمعية “الجحفية الخيرية” كانت تقدم المساعدات للناس بداية الأزمة، وما تزال، إذ تقوم بتوزيع الخبز والدجاج والكاز، لكن الكميات لا تكفي الجميع. متمنياً لو تستطيع القرى المجاورة تقديم المساعدة للقرية المعزولة.
ويقرّ الطلافحة أن هناك صعوبة في تأمين جميع الأسر بالغذاء والخبز، لافتاً إلى أن غالبية العائلات من عمال المياومة، إذ يعتمد الكثير منهم على عمل يده أو المحلات التي يعملون بها وقطاع النقل، قائلاً: “التلفونات ما بتهدى كل الناس بترن علينا بدهم مساعدات”، لكن المشكلة بالكميات التي لا تغطي الجميع، لكن جمعيات ومؤسسات تعهدت بتوفير المساعدات للأسر الفقيرة ولم يصلنا أي شيء منها حتى الآن. مؤكداً أن هذا الوقت الذي يجب عليها أن تبادر فيه “إذا ما ساعدونا اليوم متى رح يساعدونا؟”.

*بدعم من منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock