ترجمات

كيف تغير الطائرات الاستهلاكية من دون طيار طبيعة الحرب

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
تقرير خاص – (الإيكونوميست) 30/6/2022
تستخدم كل من روسيا وأوكرانيا الطائرات المسيرة الاستهلاكية الرخيصة رباعية المراوح لتعقب العدو وتوجيه نيران المدفعية.
* * *
في أيار (مايو)، نشر صحفي مؤيد للكرملين على “تلغرام”، وهو تطبيق للمراسلة، دعوة يطلب فيها من الروس التبرع بطائراتهم من دون طيار للقوات المسلحة. وفي أوكرانيا، قام كلا الجانبين بشراء طائرات من دون طيار استهلاكية رخيصة الثمن. وكانت هذه في زمن السلم ألعاباً لهواة التكنولوجيا وصانعي الأفلام الهواة. كيف تستخدم روسيا وأوكرانيا أجهزة لها قواسم مشتركة مع الألعاب أكثر مما لها مع المعدات العسكرية في القتال؟
كان الذي سوق الطائرات من دون طيار للمستهلكين العاديين لأول مرة هو شركة “باروت” Parrot الفرنسية. وأصدرت الشركة في العام 2010 طائرة “إيه. آر. درون” AR.Drone، وهي طائرة مسيّرة رباعية المراوح تزن 400 غرام. وأعطت الكاميرا المثبة في الطائرة للمشغِّل نظرة شاملة من الأعلى، كما جعل نظام الملاحة الآلي المتطور فيها من المناورة والتحليق أموراً بسيطة. وكان طراز مسيرات “إيه. آر. درون” ناجحًا في جزء منه لأنه يتطلب القليل من المهارة التجريبية، على عكس الألعاب الطائرة السابقة التي يتم التحكم فيها عن طريق الراديو. ثم، في العام 2013، تغير السوق بشكل جذري مع وصول مسيّرة “فانتوم” Phantom، الطراز الذي صنعته شركة “دي. جيه. آي” الصينية الناشئة. وهي جهاز أكثر تعقيدًا وتطوراً بمدى يصل إلى كيلومتر واحد، ويحمل كاميرا فيديو GoPro، التي توفر التصوير الجوي بأسعار معقولة للجماهير. وقد سيطرت شركة “دي. جيه. آي” على سوق الطائرات الاستهلاكية من دون طيار منذ ذلك الحين. وتتفاخر بعروضها الأخيرة من المسيرات التي تطير بمدى يصل إلى عدة كيلومترات، والمزودة بكاميرات متطورة مناسبة للبث، وتتميز بالتجنب التلقائي للعقبات.
هذه القدرات تجعل الطائرات الاستهلاكية من دون طيار مفيدة في الحرب. وقد تم استخدامها في الصراعات السابقة، ولا سيما من قبل تنظيم “داعش”، للاستطلاع وإلقاء القنابل، وإنما على نطاق ضيق فقط. لكنها تلعب في أوكرانيا دورًا أكبر. وعندما بدأت روسيا غزوها في شباط (فبراير)، ناشدت وزارة الدفاع الأوكرانية مالكي الطائرات من دون طيار تسليم أجهزتهم للقوات المسلحة. ويقال إن آلافا عدة منها أصبحت قيد الاستخدام الآن.
تعمل الطائرات من دون طيار بشكل أساسي كوسائل استطلاع للمدفعية. ففي حين يصعب على أي مراقب على الأرض تحديد موقع العدو بدقة وتوجيه النيران، فإن هذه المهمة تصبح بسيطة لدى استخدام طائرة من دون طيار: فهي تمكّن المشغل من اكتشاف المركبات المخفية خلف التلال أو بين المباني، كما أن تتبع أماكن سقوط طلقات المدفعية يكون سهلاً من الأعلى. وقد ادعى أحد رجال المدفعية الأوكرانيين أن موقعًا دفاعيًا قياسيًا، والذي قد يتطلب في العادة من 60 إلى 90 طلقة لتدميره، يمكن القضاء عليه بتسع قذائف فقط بنيران توجهها الطائرات من دون طيار، وقال إن كل بطارية مدفعية أصبحت فيها الآن مسيرة رباعية المراوح. وتستخدم فرق اصطياد الدبابات الأوكرانية الطائرات من دون طيار للعثور على المركبات الروسية ومطاردتها بأقل قدر من المخاطر. وليست المسيرات الاستهلاكية رباعية المراوح كبيرة بما يكفي لحمل قنابل مضادة للدبابات، لكنّ بالإمكان إعدادها لإلقاء قنابل يدوية مضادة للأفراد، في بعض الأحيان مباشرة في داخل الخنادق.
استخدمت الميليشيات المدعومة من روسيا في منطقة دونباس الشرقية بأوكرانيا الطائرات الاستهلاكية من دون طيار لسنوات. وبعد أن أعلنت وزارة الدفاع الروسية في العام 2019 أن وحدات الجيش ستزوّد بمسيرات رباعية المراوح، افترض معظم المراقبين أنه سيتم تطويرها داخل البلاد، كما يقول صامويل بينديت، الخبير في الأنظمة العسكرية غير المأهولة. لكن سلسلة من مشاهدات الطائرات الاستهلاكية من دون طيار في أوكرانيا تشير إلى أن روسيا تستخدم معدات جاهزة تمامًا مثلها مثل القوات الأوكرانية. ويشير السيد بينديت إلى أنه حتى وحدات النخبة المحمولة جواً لديها الآن طائرات من دون طيار من إنتاج “دي. جيه. آي” الصينية.
ومع ذلك، فإن للطائرات الاستهلاكية من دون طيار عيوبا. بعد إصدار طائرات من دون طيار من نوع “دي. جيه. آي” لوحدات مشاته في العام 2017، يقوم الجيش الإسرائيلي الآن باستبدالها بطائرات مروحية رباعية من دون طيار محلية الصنع بسبب مخاوف أمنية. وينشأ هذا الخوف جزئيًا من حقيقة أن اتصالات الطائرات من دون طيار غير مشفرة، وفي جزء آخر لأن الشركة المصنِّعة هي شركة صينية. وتصنع شركة “دي. جيه. آي” أيضًا جهازًا يسمى “أيروسكوب” Aeroscope، الذي يمكنه تتبع الطائرات من دون طيار التي تنتجها الشركة ومشغليها على مدى يصل إلى 50 كيلومترًا، مما يجعل أنظمتها عرضة للخطر. وادعى نائب رئيس الوزراء الأوكراني أن الشركة ساعدت القوات الروسية من خلال السماح لها باستخدام جهاز “أيروسكوب”، لكن شركة “دي. جيه. آي” تنفي ذلك.
تستنكر شركة “دي. جيه. آي” رسمياً أي استخدام عسكري لمنتجاتها، وفي نيسان (أبريل) حظرت أي مبيعات جديدة لمسيراتها في أوكرانيا وروسيا. لكن هناك شركات أخرى تتحين الفرصة. وتقوم شركة “باروت” الآن بصنع طائرات من دون طيار للسوق العسكرية. وعلى أمل كسر الاحتكار الصيني للإنتاج، تشجع مبادرة للبنتاغون المصنِّعين الأميركيين على بناء طائرات من دون طيار تتبع معيارًا مفتوحًا للاتصالات الآمنة. وتقوم القوات الأوكرانية الآن باستخدام بعض طائرات “باروت” الجديدة من دون طيار، التي تلبي أيضًا هذا المعيار.
قد تكون الطائرات الرخيصة من دون طيار التي تئز فوق الرؤوس في كل مكان في الأجواء الأوكرانية بمثابة رؤية للصراعات المستقبلية. وسوف تجلب معرفة مكان تواجد قوات العدو بالضبط وما الذي تفعله مزايا هائلة. والآن، ثمة طريقة بسيطة لتحصيل هذه المعرفة.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: How consumer drones are changing warfare

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock