قضايا

كيف تغير الطباعة ثلاثية الأبعاد فترة ما بعد الحرب؟

باميلا كسرواني

متخصصة في الثقافة والمواضيع الاجتماعية

نتذكر جميعا صور الدمار الذي ألحقه تنظيم “داعش” الإرهابي بالمواقع الأثرية في مدينة تدمر السورية قبل نحو عام؛ كالبوابة التاريخية للمدينة، والمعابد والمقابر التي شيدّت قبل آلاف السنوات، حيث نُسفت بشكل تام. لكن تراث هذه المدينة الأثري لم يختفِ تماماً؛ فها هو ذا يعود تدريجياً، ليس على أرض الواقع بل بفضل نماذج ثلاثية الأبعاد تُعيد إحياءها مجدداً.
فقبل بضعة أشهر، أطلّت البوابة التاريخية لمعبد تدمر في ميدان ترافلغار في العاصمة البريطانية لندن أولاً، ثم في الساحة الرئيسة أمام بلدية نيويورك، على أن تُعرض لاحقاً في دبي. وهي نسخة مرمّمة ثلاثية الأبعاد لقوس النصر الذي تعرض للتدمير على يد “داعش”، وذلك ضمن شراكة استراتيجية بين مؤسسة دبي للمستقبل في دولة الإمارات العربية المتحدة ومنظمة اليونسكو ومعهد الآثار الرقمية البريطاني (المشروع المشترك بين جامعتي هارفارد وأكسفورد)، في إطار مشروع عالمي يهدف إلى تصوير وتوثيق المواقع الأثرية المهددة بالتدمير والزوال في المنطقة العربية، وإعادة بنائها بالكامل باستخدام تكنولوجيا الطباعة ثلاثية الأبعاد، لحمايتها والحفاظ عليها من الاندثار، باعتبارها إرثاً حضارياً إنسانياً.
ويؤكد محمد القرقاوي، وزير شؤون مجلس الوزراء والمستقبل ونائب رئيس مجلس الأمناء والمدير التنفيذي لمؤسسة دبي لمتحف المستقبل، أنّ إعادة بناء القوس وترميمه يحمل رسالة مهمة؛ قائلاً: “إنها رسالة موجهة لمن يظنّون أنهم قادرون على القضاء على تراثنا البشريّ من خلال ممارساتهم التدميرية”. موجهاً كلامه لهم بالقول: “كل ما تدمّرونه يمكننا أن نعيد بناءه. وما تهدمونه نستطيع أن ننهض به من جديد. فرغبتنا في العيش والعمل معاً كمجتمع واحد هي القوّة العظمى التي تستطيع إعادة بناء كلّ ما تزعزعونه”.
ولا يعدّ ترميم البوابة التاريخية في تدمر باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد، سوى خطوة في مشوار الألف ميل الذي يقطعه مشروع “قاعدة بيانات المليون صورة”، والذي يهدف إلى جمع الصور التي يرسلها مصوّرون متطوعون أو أفراد على شبكات التواصل الاجتماعي أو مؤسسات، من أجل إنشاء قاعدة بيانات مفتوحة المصدر لتاريخ البشرية المُتجسِّد في كل ما شيّدناه من آثار، وكأنه مشروع أشبه بـ”غوغل إيرث” (Google Earth) للإرث البشري.
حول هذه المبادرة، يُعلّق محمد القرقاوي قائلاً: “إن قدرتنا على حفظ المعالم ثلاثية الأبعاد رقمياً وبدقة عالية، تفتح المجال أمام عدد من التطبيقات الجديدة المميزة. وتتيح قاعدة بيانات المليون صورة توثيق المعالم التي تتمتّع بقيمة تراثيّة كبيرة ودراستها وحمايتها من الضياع والتلف. كما تسمح أيضاً بتشارك نسخ عنها تُعرض أمام الناس حول العالم ممن لا تتاح لهم فرصة مشاهدة آثار تاريخنا المشترك”.
في هذا السياق، جذب العمل على الحفاظ على إرثنا البشري، ولا سيما المُهدَّد منه في مناطق النزاع، والعمل على تطوير علم الآثار لدمجه بالتكنولوجيا الحديثة كالطباعة ثلاثية الأبعاد والطائرات من دون طيّار، العديد من المؤسسات والدول. فإضافة إلى مشروع مؤسسة دبي للمستقبل ومعهد الآثار الرقمية البريطاني، استخدمت مؤسسات أخرى، على غرار الشركة الفرنسية الناشئة “إكونيم”، الخبيرة بمسح المواقع الأثرية المهددة، تقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد في هذا المجال. ويشير إيف أوبلمان، المؤسس المشارك، إلى أنّ الشركة التي تأسست العام 2013، تُركّز معظم نشاطاتها على التراث المعرض للخطر. مؤكداً أنهم يعملون على مجموعة ثلاثية الأبعاد لمواقع أثرية في كل من سورية وأفغانستان والعراق، تعدّ من بين الأهم من نوعها.
الأرشفة الرقمية
في ما يتعلّق بمشروع المليون صورة؛ فقد استُخدمت في عملية الترميم تكنولوجيا معروفة باسم “توصيف السطوح” التي تبتكر نماذج ثلاثية الأبعاد عن الأشياء، وتسلّط بهذا ضوءاً جديداً على الآثار القديمة. في هذا السياق، تُستخدم تقنية التصوير المتقدّمة للحفاظ على النُّصب التذكارية المعرضة للخطر في مناطق النزاع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من خلال جمع “قاعدة بيانات المليون صورة”. ويمكن تحميل هذه الصور كي يتمكّن علماء الآثار والمؤرّخون حول العالم من دراستها.
وتشمل تطبيقات قاعدة بيانات المليون صورة القدرة على دراسة الآثار وكشف النقوش المخبأة والفوارق الطفيفة في الملمس والعناصر الأخرى، والتي لا يمكن استكشافها باستخدام المقاربات التقليديّة المعتمدة في علم الآثار.
يقول القرقاوي في هذا الصدد: “تتيح لنا قاعدة بيانات المليون صورة رؤية هذه الآثار من زاوية جديدة؛ فعملنا مع معهد الآثار الرقمية يعكس الخطة التي أعدّها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم لمتحف المستقبل، والهادفة إلى جمع ابتكارات ذات تطبيقات وأثر عالميين بما يتخطى حدود الإنجازات التي يمكننا تحقيقها حالياً”.
من جهتها، تعتمد شركة “إكونيم” ثلاث طرق، تختلف باختلاف الموقع، من أجل جمع الصور وتحويلها باستخدام التقنية الثلاثية الأبعاد. ويشرح لنا أوبلمان أن التقنية الأولى ترتكز على إرسال طائرة من دون طيار لمسح الموقع والتقاط آلاف الصور لأدنى تفاصيله. ثم يتمّ وضع هذه الصور في خوارزمية تدمجها وتعيد بناء نموذج ثلاثي الأبعاد من الموقع كما نراه بالعين المجردة، ويمكن التحكم به على الحاسوب من أجل تصميم مقاطع الفيديو أو النماذج التفاعلية. ويضيف أوبلمان أن “هذه التقنية هي الأسهل لتغطية موقع من آلاف الكيلومترات بكل دقة ووضوح”.
أما الطريقة الثانية، فتُستخدم في المواقع التي لا يمكن الوصول إليها، كما هي الحال في بعض المناطق العراقية؛ كنمرود في الموصل. وهنا يقول أوبلمان: “نستخدم طائرات من دون طيار طويلة المدى، نُحدّد لها المناطق الجغرافية لالتقاط آلاف الصور، ثم نعتمد الخوارزمية ذاتها لتصميم نماذج ثلاثية الأبعاد”.
وتحتم الطريقة الثالثة عملاً جماعياً أكبر، وهي الأكثر اعتماداً حالياً في سورية. ويشرح أوبلمان بالقول: “نحاول العمل مع علماء آثار سوريين لا يملكون هذه التكنولوجيا؛ فنقوم بتدريبهم على التقاط الصور التي يرسلونها إلينا لنقوم بإعادة تشكيل الموقع مثل ما حصل مع قلعة الحصن في حمص، التي أعدنا تشكيلها بالكامل. ومواقع سوريّة أخرى ضمن مشروع “التراث السوري” الذي بات يضم نحو 20 موقعاً أثرياً”.
ما بعد التقنية ثلاثية الأبعاد
لا شك أن التكنولوجيا ثلاثية الأبعاد قلبت مفهوم حفظ التراث والآثار رأساً على عقب، إذ يقول المدير التنفيذيّ لمعهد الآثار الرقمية روجر ميشال: “لعلّ الجانب الأبرز لهذه التكنولوجيا أنه بات بإمكاننا ليس فقط الحفاظ على المعالم والاطلاع عليها بدقة عالية، بل طباعتها بتقنية ثلاثية الأبعاد بالإسمنت والحجارة الرملية والمواد الرخامية وبآلات متطورة. وتتمثل مهمتنا بإعادة بناء المعالم التاريخية في الشرق الأوسط التي تعتبر رموزاً مهمة لموروثنا الثقافي المشترك الذي تم تدميره”.
من جانبه، يرى أوبلمان أنّ هذا العمل الدقيق للأرشفة الرقمية لم يعد مجرد عمل يستهدف مجتمع العلماء والخبراء، بل سيصبح متوفراً للجميع. لافتاً إلى أنه “في البداية، كنّا نتوجه الى الخبراء وعلماء الآثار، إلا أننا لاحظنا أن هذه النماذج الثلاثية الأبعاد تهّم عامة الناس وتفيدهم”. وأهم ما في هذه التكنولوجيا الحديثة، من وجهة نظره، أنها توفّر الوقت والمال، مضيفاً: “من شأن حملة على المستوى الوطني أو الإقليمي أن تُكلّف اليوم حوالي 100 ألف يورو من أجل الأرشفة الرقمية ثلاثية الأبعاد لعشرة مواقع أثرية، كما تحتاج إلى بضعة أشهر فقط. في حين أن اعتماد الطرق التقليدية، على غرار ماسحة الليزر، تتطلب عملاً على مدار عام وفرق عمل أكبر، كما تفوق تكلفتها عشرة أضعاف ما قد تكلفه التقنية الحديثة”. ويشيرإلى أنّ ثمن الطائرات من دون طيار يشهد انخفاضاً، وباتت حتى فرق علماء الآثار المحلية قادرة على شرائها. كما أن التقاط الصور على الأرض لا يتطلب آلات تصوير متطورة؛ الأمر الذي يسمح للخبراء المحليين بأن يكونوا فاعلين في عملية الرقمنة من أجل توثيق المواقع في كل أنحاء البلاد.
إلى ذلك، علينا ألا ننسى أن التكنولوجيا ثلاثية الأبعاد تسمح للعالم باكتشاف عجائب ثقافية وتراثية قد تكون مجهولة، ويوضح أوبلمان بقوله: “هناك العديد من المواقع المجهولة في الشرق الأوسط؛ إما لأنه لا أحد يقصدها أو لأنها ممنوعة لأسباب أمنية”. ويذكر هنا سلطنة عُمان مثالاً، حيث تقود “إكونيم” العديد من المشاريع “فعُمان ليست منطقة نزاع، غير أن السلطات تريد تسليط الضوء على تراثها وثرواتها الثقافية غير المعروفة، خاصة وأنها تعدّ ملتقى حضارات عدة”.
وتساعد التكنولوجيا الجديدة في التحضير لفترة ما بعد الحرب لتدشن بذلك حقبة سياحية جديدة. وكما يقول أوبلمان: “لا نعرف متى تنتهي كل هذه النزاعات، إلا أن عملنا يمنح الناس الرغبة في اكتشاف هذه الدول متى أصبحت آمنة مجدداً”.
ويختصر القرقاوي حقبة ما بعد التكنولوجيا ثلاثية الأبعاد قائلاً: “عبر استخدام التقنيات الرقمية للحفاظ على جوانب تاريخنا البشري المشترك، نضمن ألا يستطيع أحد إنكار هذا التاريخ أو أن يملي علينا نسخته وأيديولوجيته الخاصة، ويعتبرها أهم من التاريخ الذي يجمع البشرية بأسرها ومن رغبتنا في العيش معاً بسلام”.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock