ترجمات

كيف سيبدو العالم بعد فيروس كورونا

خبراء – (فورين بوليسي) 20/3/2020
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

مثل سقوط جدار برلين أو انهيار بنك “ليمان براذرز”، يشكل وباء فيروس كورونا حدثاً عالمياً مدمراً، والذي لا يسعنا اليوم سوى محاولة تخيل تداعياته واسعة النطاق. وهذا القدر من التداعيات مؤكد: تماماً كما مزق المرض حيواتنا، وأربك الأسواق وأظهر كفاءة الحكومات (أو عدمها)، فإنه سيفضي إلى تحولات دائمة في القوتين السياسية والاقتصادية بطرق ستظهر إلى العيان لاحقاً فحسب.
لمساعدتنا على فهم الأرض التي تتحرك تحت أقدامنا بينما تتكشف هذه الأزمة، طلبت مجلة “فورين بوليسي” من 12 مفكراً بارزاً من مختلف أنحاء العالم الإدلاء بتوقعاتهم حول النظام العالمي بعد الوباء. وهم جون ألين John Allen؛ نيكولاس بيرنز Nicholas Burns؛ لوري غاريت Laurie Garrett؛ ريتشارد هاس Richard N. Haass؛ جي. جون إيكنبيري G. John Ikenberry؛ كيشور محبوباني Kishore Mahbubani؛ شيفشانكار مينون Shivshankar Menon؛ روبين نيبليت Robin Niblett؛ جوزيف ناي الابن Joseph S. Nye Jr.؛ وشانون أونيل Shannon K. O’neil؛ كوري شاك Kori Schake؛ وستيفن والت Stephen M. Walt.

  • * *
    عالم أقل انفتاحاً، وازدهاراً، وحرية
    ستيفن م. والت: أستاذ روبرت ورينيه بيلفر للعلاقات الدولية بجامعة هارفارد.
  • هذا الوباء سيقوي الدولة ويعزز القومية. سوف تتبنى الحكومات من كل نوع إجراءات طوارئ لإدارة الأزمة، وسوف تكره الكثير منها التخلي عن هذه السلطات الجديدة عند انتهاء الأزمة.
    سوف يساعد “كوفيد-19” أيضاً انتقال السلطة والنفوذ العالميَّين من الغرب إلى الشرق. فقد استجابت كوريا الجنوبية وسنغافورة للوباء بشكل أفضل، وكان رد فعل الصين جيداً بعد تجاوز أخطائها المبكرة. وكانت الاستجابة في أوروبا وأميركا بطيئة وعشوائية بالمقارنة، على نحو تسبب بالمزيد من تشويه هالة “العلامة” الغربية.
    أما الذي لن يتغير، فهو الطبيعة المتضاربة الموسومة بالصراح بشكل أساسي للسياسة العالمية.
    لم تؤد الأوبئة السابقة -بما في ذلك تفشي الانفلونزا في 1918-1919- إلى إنهاء التنافس بين القوى العظمى ولم تبشر بقدوم عصر جديد من التعاون العالمي. ولن يفعل “كوفيد-19” أيضاً. سوف نشهد تراجعاً إضافياً عن العولمة المفرطة، بينما يتطلع المواطنون إلى حكوماتهم الوطنية لتوفير الحماية لهم، وتسعى الدول والشركات إلى تقليل نقاط ضعفها في المستقبل.
    باختصار، سوف يصنع “كوفيد-19” عالماً أقل انفتاحاً، وأقل ازدهاراً وأقل حرية. وما كان ينبغي أن تكون الأمور بهذه الطريقة، لكن الجمع بين فيروس قاتل، وتخطيط غير مناسب وقيادة غير كفؤة، وضع البشرية على مسار جديد مقلِق.
  • * *
    نهاية العولمة كما نعرفها
    روبن نيبليت: المدير والرئيس التنفيذي لمنظمة “تشاثام هاوس”.
    قد تكون جائحة كورونا هي القشة الأخيرة التي تقصم ظهر البعير بالنسبة للعولمة الاقتصادية.
  • أثارت القوة الاقتصادية والعسكرية المتنامية للصين مسبقاً تصميماً من كلا الحزبين في الولايات المتحدة على فصل الصين عن التكنولوجيا الفائقة التي تمتلكها الولايات المتحدة والملكية الفكرية، ومحاولة إجبار الحلفاء على أن يتعقبوا خطاها. وأثار الضغط العام والسياسي المتزايد من أجل تحقيق أهداف خفض انبعاثات الكربون مسبقاً تساؤلات حول اعتماد العديد من الشركات على سلاسل الإمداد طويلة المسافة. والآن، يجبر “كوفيد-19” الحكومات والشركات والمجتمعات على تعزيز قدرتها على التعامل مع فترات طويلة من العزلة الاقتصادية الذاتية.
    يبدو من غير المرجح إلى حد كبير في هذا السياق أن يعود العالم إلى عولمة مفيدة للطرفين، من النوع الذي تم تحديده في أوائل القرن الحادي والعشرين. ومن دون وجود الحافز لحماية المكاسب المشتركة من التكامل الاقتصادي العالمي، سوف تتدهور بنية الحوكمة الاقتصادية العالمية التي تم تأسيسها في القرن العشرين. وسوف يتطلب الأمر عندئذٍ انضباطاً ذاتياً هائلاً من القادة السياسيين للحفاظ على التعاون الدولي وعدم العودة إلى المنافسة الجيوسياسية العلنية.
    سوف يشتري إثباتهم لمواطنيهم أنهم قادرون على إدارة أزمة “كوفيد-19” بعض رأس المال السياسي للقادة. لكن أولئك الذين يفشلون سيجدون صعوبة في مقاومة إغراء إلقاء اللوم في فشلهم على الآخرين.
  • * *
    عولمة أكثر تمحوُراً حول الصين
    كيشور محبوباني: زميل متميز في معهد آسيا للبحوث بجامعة سنغافورة الوطنية، ومؤلف كتاب “هل فازت الصين؟ التحدي الصيني للهيمنة الأميركية”.
  • لن تغير جائحة “كوفيد-19” الاتجاهات الاقتصادية العالمية بشكل جوهري. سوف تسرِّع فقط وتيرة التغيير الذي بدأ بالفعل: انتقال من عولمة تتمحور حول الولايات المتحدة إلى واحدة تتمحور حول الصين.
    لماذا سيستمر هذا الاتجاه؟ فقد الشعب الأميركي ثقته بالعولمة والتجارة الدولية: اتفاقيات التجارة الحرة سامة، مع أو من دون الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وفي المقابل، لم تفقد الصين إيمانها بهما. لم لا تفعل؟ ثمة أسباب تاريخية عميقة لهذا الاتجاه. يعرف القادة الصينيون جيداً الآن أن قرن الإذلال الذي عاشته الصين من العام 1842 إلى العام 1949 كان نتيجة لتهاونها وللجهود العبثية التي بذلها قادتها لقطعها عن العالم. وعلى النقيض من ذلك، كانت العقود القليلة الماضية من الانتعاش الاقتصادي نتيجة للانخراط العالمي. كما شهد الشعب الصيني انفجاراً في الثقة الثقافية. وهم يعتقدون أنهم قادرون على المنافسة في أي مكان.
    نتيجة لذلك، كما أوثِّق في كتابي الجديد المعنون “هل فازت الصين؟”، أصبح أمام الولايات المتحدة الآن خياران. إذا كان هدفها الأساسي هو الحفاظ على التفوق العالمي، فسيتعين عليها الانخراط في منافسة جيوسياسية مع الصين محصلتها صفر، سياسيا واقتصاديا. ومع ذلك، إذا كان هدف الولايات المتحدة هو تحسين رفاهية الشعب الأميركي -الذي تدهورت حالته الاجتماعية- فإن عليها أن تتعاون مع الصين. وسوف تقترح المشورة الأكثر حكمة أن التعاون سيكون الخيار الأفضل. ومع ذلك، نظرا للبيئة السياسية الأميركية السامة تجاه الصين، فإن المشورة الأكثر حكمة قد لا تسود.
  • * *
    الديمقراطيات سوف تخرج من قوقعتها
    جي. جون إكنبيري: أستاذ ألبرت جي ميلبانك للسياسة والشؤون الدولية في جامعة برينستون في قسم السياسة. والمدير المشارك لمركز برينستون لدراسات الأمن الدولي.
  • على المدى القصير، سوف تزود الأزمة بالوقود جميع المعسكرات المتباينة في النقاش الغربي الدائر حول “الاستراتيجية الكبرى”. سوف يرى القوميون والمناهضون للعولمة، والصقور الصينيون، وحتى الأمميون الليبراليون، أدلة جديدة على أهمية وجهات نظرهم وضرورتها. وبالنظر إلى الضرر الاقتصادي والانهيار الاجتماعي اللذين يتكشفان الآن، فإن من الصعب رؤية أي شيء آخر سوى تعزيز للاتجاه نحو القومية، وتنافس القوى العظمى، والانفصال الاستراتيجي وما شابه.
    تماماً كما كان الحال في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، قد يكون هناك أيضاً تيار معاكس يتطور بسرعة أبطأ؛ نوع من الأممية الأكثر تشدداً، شبيهة بتلك التي كان فرانكلين روزفلت وبضعة رجال دولة آخرين قد شرعوا في التعبير عنها قبل وأثناء الحرب. وقد أظهر انهيار الاقتصاد العالمي في ثلاثينيات القرن العشرين مدى تعالُق المجتمعات الحديثة ومدى هشاشتها أمام ما وصفه روزفلت بـ”المرض المعدي”. كانت الولايات المتحدة أقل تعرضاً لتهديد القوى العظمى الأخرى منها أمام القوى العميقة للحداثة -الدكتور جيكل وشخصيته البديلة، السيد هايد. وكان ما استحضره روزفلت وأمميون آخرون نظاماً لما بعد الحرب، والذي يكون من شأنه أن يعيد بناء نظام مفتوح بأشكال جديدة من الحماية والقدرات لإدارة الترابط والتعالق: لا تستطيع الولايات المتحدة ببساطة الاختباء داخل حدودها، ولكن العمل في نظام مفتوح في حقبة ما بعد الحرب يتطلب إنشاء بنية تحتية عالمية للتعاون متعدد الأطراف.
    لذلك، قد ترتحل الولايات المتحدة والديمقراطيات الغربية الأخرى عبر نفس هذه السلسلة من ردود الفعل، مدفوعة بإحساس متراكم بالضعف. وقد تكون الاستجابة أكثر وطنية في البداية، لكن الديمقراطيات ستخرج، على المدى الطويل، من قواقعها للعثور على نوع جديد من الأممية البراغماتية والحمائية.
  • * *
    أرباح أقل، وإنما المزيد من الاستقرار
    شانون ك. أونيل: نائبة رئيس ونائبة مدير الدراسات، وكبيرة زملاء نيلسون وديفيد روكفلر لدراسات أميركا اللاتينية في مجلس العلاقات الخارجية.
  • يقوم “كوفيد-19” بتقويض المبادئ الأساسية للتصنيع العالمي. سوف تقوم الشركات الآن بمراجعة -وتقليص- سلاسل التوريد متعددة الخطوات ومتعددة البلدان التي تهيمن على الإنتاج اليوم.
    كانت سلاسل التوريد العالمية مسبقاً تحت نيران النقد -اقتصادياً، بسبب تكاليف العمالة الصينية التي ترتفع باطراد، والحرب التجارية التي يشنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتقدم في مجال الروبوتات، والأتمتة، والطباعة ثلاثية الأبعاد؛ وكذلك سياسياً، بسبب فقدان الوظائف الحقيقي والمتصوَّر، خاصة في الاقتصادات الناضجة. وقد كسر “كوفيد-19” الآن العديد من هذه السلاسل: تركت إغلاقات المصانع في المناطق المنكوبة مصنّعين آخرين -بالإضافة إلى المستشفيات والصيدليات ومحلات السوبر ماركت ومحلات البيع بالتجزئة- محرومة من المخزونات والمنتجات.
    وعلى الجانب الآخر من الوباء، سوف تطلب المزيد من الشركات معرفة المزيد عن الأماكن التي تأتي منها إمداداتها وسوف تقايض الكفاءة بالوفرة. وستتدخل الحكومات بدورها أيضاً، وتفرض على ما تعتبرها صناعات استراتيجية أن تكون لديها خطط دعم واحتياطيات محلية. وسوف تنخفض الربحية، لكن استقرار العرض يجب أن يرتفع.
  • * *
    يستطيع هذا الوباء أن يخدُم غاية مفيدة
    شيفشانكار مينون: زميل متميز في “بروكينغز الهند”، ومستشار سابق للأمن القومي لرئيس الوزراء الهندي مانموهان سينغ.
  • ما نزال في الأيام الأولى من خبرة الوباء حتى الآن، لكن هناك ثلاثة أشياء تبدو واضحة. أولاً، سوف تغير جائحة فيروس كورونا سياساتنا، سواء داخل الدول أو فيما بينها. إنها سلطة الحكومة هي التي تطلعت إليها المجتمعات -وحتى الليبراليون. وسوف يؤدي النجاح النسبي للحكومة المعنية في التغلب على الوباء وآثاره الاقتصادية إلى مفاقمة -أو تقليص- القضايا الأمنية والاستقطابات الأخيرة داخل المجتمعات. وفي كلتا الحالتين، عادت الحكومة إلى الواجهة. وتظهر التجربة حتى الآن أن السلطويين أو الشعبويين ليسوا أفضل في التعامل مع الوباء. وفي الحقيقة، كانت الدول التي استجابت للجائحة في وقت مبكر وبنجاح، مثل كوريا وتايوان، ديمقراطيات -وليس من الدول التي يديرها قادة شعبويون أو سلطويون.
    ثانياً، هذه ليست نهاية العالم المترابط بعد. إن الوباء نفسه هو دليل على تعالقنا.
    ولكن، في جميع الأنظمة السياسية، ثمة استدارة بدأت مسبقاً نحو الداخل، وبحث عن الاستقلالية وتحكم المرء في مصيره. إننا متجهون إلى عالم أصغر، وأكثر فقراً ولؤماً.
    أخيراً، ثمة علامات على الأمل والحس السليم. فقد أخذت الهند زمام المبادرة لعقد مؤتمر بالفيديو لجميع قادة جنوب آسيا بهدف صياغة استجابة إقليمية مشتركة للتهديد. وإذا كان الوباء يصدمنا بحيث يدفعنا إلى إدراك مصلحتنا الحقيقية في التعاون متعدد الأطراف بشأن القضايا العالمية الكبرى التي تواجهنا، فإنه سيكون قد حقق غرضاً مفيداً.
  • * *
    القوة الأميركية ستحتاج
    إلى استراتيجية جديدة
    جوزيف س. ناي الابن: أستاذ الخدمة الجامعية المتميز بجامعة هارفارد، ومؤلف كتاب “هل الأخلاق تهم؟ الرؤساء والسياسة الخارجية من فرانكلين د. روزفلت إلى ترامب”.
  • في العام 2017، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن استراتيجية جديدة للأمن القومي، والتي تركز على منافسة القوى العظمى. ويظهر “كوفيد-19” أن هذه الاستراتيجية غير مناسبة. حتى لو سادت الولايات المتحدة كقوة عظمى، فإنها لا تستطيع حماية أمنها بالتصرف بمفردها.
    لخص ريتشارد دانزيغ Richard Danzig المشكلة في العام 2018، فكتب: “إن تقنيات القرن الحادي والعشرين عالمية -ليس في توزيعها فقط، وإنما في تداعياتها أيضاً. يمكن أن تصبح مسببات الأمراض، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، وفيروسات الحاسوب، والإشعاعات التي قد يطلقها الآخرون بطريق الخطأ، مشكلتنا نحن مثلما هي مشكلتهم. يجب متابعة أنظمة الإعلام المتفق عليها، والضوابط المشتركة، وخطط الطوارئ، والمعايير، والمعاهدات المشتركة، كوسيلة لتخفيف المخاطر العديدة التي لدينا”.
    عندما يتعلق الأمر بالتهديدات العابرة للحدود مثل “كوفيد-19” وتغير المناخ، لا يكفي التفكير في القوة الأميركية وتكريس النفوذ على الدول الأخرى. إن مفتاح النجاح هو معرفة أهمية القوة مع الآخرين. من المؤكد أن كل بلد يضع مصلحته الوطنية أولاً؛ والسؤال المهم هو مدى اتساع -أو ضيق- تعريف هذه المصلحة. ويظهر “كوفيد-19” أننا نخفق في معايرة استراتيجيتنا مع هذا العالم الجديد.
  • * *
    تاريخ “كوفيد-19” سيكتبه المنتصرون
    جون ألين: رئيس معهد بروكينغز، جنرال متقاعد من مشاة البحرية الأميركية برتبة بأربع نجوم، والقائد السابق لقوة المساعدة الأمنية الدولية التابعة لحلف الناتو والقوات الأميركية في أفغانستان.
  • كما كان الحال دائماً، سوف يكتب “المنتصرون” في أزمة “كوفيد-19” التاريخ. إن كل دولة -وبشكل متزايد كل فرد- يختبرون الضغط المجتمعي لهذا المرض بطرق جديدة وقوية. ومن المحتم أن تلك الدول المثابرة -سواء من خلال نظمها السياسية والاقتصادية الفريدة، أو من منظور الصحة العامة- ستدَّعي لنفسها النجاح والفوز على تلك التي تختبر نتائج مختلفة أكثر تدميراً. بالنسبة للبعض، سوف يظهر هذا على أنه انتصار كبير ونهائي للديمقراطية والتعددية والرعاية الصحية الشاملة. وسوف يعرض، لآخرين، “الفوائد” الواضحة للحكم الاستبدادي الصارم.
    في كلتا الحالتين، ستقوم هذه الأزمة بإعادة تشكيل هيكل القوة الدولية بطرق لا يمكننا سوى أن نشرع في تخيلها فحسب. سوف يستمر “كوفيد-19” في إحباط النشاط الاقتصادي وزيادة التوتر بين البلدان. وعلى المدى الطويل، من المرجح أن يقلل الوباء بشكل كبير من القدرة الإنتاجية للاقتصاد العالمي، خاصة إذا أُغلقت الأعمال التجارية وانفك ارتباط الأفراد بالقوة العاملة. وسيكون خطر هذا التشوش كبيراً بشكل خاص على الدول النامية وغيرها من الدول التي لديها نسبة كبيرة من العمال الضعيفين اقتصاديًا. وسيتعرض النظام الدولي بدوره إلى ضغوط كبيرة، مما يسفر عن عدم الاستقرار ونشوب الصراعات واسعة النطاق داخل البلدان وفيما بينها.
  • * *
    مرحلة جديدة درامية في الرأسمالية العالمية
    لوري جاريت: زميلة سابقة للصحة العالمية في مجلس العلاقات الخارجية، وصحفية وكاتبة علمية حائزة على جائزة بوليتزر.
  • لعل الصدمة الأساسية للنظام المالي والاقتصادي في العالم هي إدراك أن سلاسل التوريد وشبكات التوزيع العالمية معرضة للاختلال بشدة. ولذلك، لن تكون لوباء فيروس كورونا آثار اقتصادية طويلة الأمد فحسب؛ إنه سيؤدي إلى إحداث تغيير أكثر أساسية.
    سمحت العولمة للشركات بتوزيع التصنيع في جميع أنحاء العالم وتسليم منتجاتها إلى الأسواق في الوقت المناسب بالضبط، متجاوزة تكاليف التخزين. وكانت المخزونات التي تتبقى على الرفوف لأكثر من بضعة أيام تعد إخفاقاً في السوق. وكان لا بد من الحصول على الإمداد وشحنه على مستوى عالمي منسق بعناية. وأثبت “كوفيد-19” أن مسببات الأمراض لا تكتفي بإصابة الناس فحسب، وإنما يمكن أن تصيب “نظام التسليم في الوقت المناسب” بالكامل.
    وبالنظر إلى حجم خسائر السوق المالية التي عانى منها العالم منذ شباط (فبراير)، من المرجح أن تخرج الشركات من هذا الوباء أكثر تردداً أمام نموذج “التسليم في الوقت المناسب” والإنتاج الموزع عالمياً. ويمكن أن تكون النتيجة مرحلة جديدة دراماتيكية للرأسمالية العالمية، والتي يتم فيها تقريب سلاسل التوريد من الوطن وملئها بالبدائل للاحتماء من اضطراب مستقبلي. وقد يقلل ذلك من أرباح الشركات على المدى القريب، ولكنه يجعل النظام بأكمله أكثر مرونة.
  • * *
    المزيد من الدول الفاشلة
    ريتشارد ن. هاس: رئيس مجلس العلاقات الخارجية، ومؤلف كتاب “عالم في حالة فوضى: السياسة الخارجية الأميركية وأزمة النظام القديم”.
  • “دائم” ليست كلمة أحبها بشكل خاص، لأن القليل فقط يدوم أو لا شيء على الإطلاق، لكنني أعتقد أن أزمة فيروس كورونا ستدفع معظم الحكومات -لبضع سنوات على الأقل- إلى التحول نحو الداخل، مع التركيز على ما يحدث داخل حدودها بدلاً مما يحدث أبعد منها. أتوقع تحركات أكبر نحو الاكتفاء الذاتي الانتقائي (ونتيجة لذلك، فك الارتباط) بالنظر إلى هشاشة سلسلة التوريد؛ وحتى نحو قدر أكبر من معارضة الهجرة واسعة النطاق؛ ورغبة والتزام أقل بمعالجة المشكلات الإقليمية أو العالمية (بما في ذلك تغير المناخ)، نظراً للحاجة المتصورة إلى تكريس الموارد لإعادة البناء في الوطن والتعامل مع التداعيات الاقتصادية للأزمة.
    أتوقع أن تجد العديد من البلدان صعوبة في التعافي من الأزمة، بينما يصبح ضعف الدولة والدول الفاشلة أكثر انتشاراً في العالم. ومن المرجح أن تسهم الأزمة في التدهور المستمر للعلاقات الصينية الأميركية وفي إضعاف التكامل الأوروبي. وعلى الجانب الإيجابي، يجب أن نرى بعض التعزيز المتواضع لإدارة الصحة العامة العالمية. ولكن بشكل عام، سوف تضعف أزمة متأصلة في العولمة، أكثر مما تقوي رغبة العالم وقدرته على التعامل معها.
  • * *
    الولايات المتحدة أخفقت في اختبار القيادة
    كوري شاك: نائبة المدير العام للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية.
  • لن يُنظر إلى الولايات المتحدة على أنها رائدة دولية بسبب التفات حكومتها إلى المصلحة الذاتية الضيقة وكشفها عن انعدام الكفاءة الفادح. كان من الممكن تخفيف الآثار العالمية لهذا الوباء إلى حد كبير من خلال جعل المنظمات الدولية تقدم معلومات أكثر وفي وقت أبكر، الأمر الذي كان سيعطي الحكومات الوقت لإعداد وتوجيه الموارد إلى حيث تشتد الحاجة إليها. وهو شيء كان يمكن للولايات المتحدة تنظيمه، بحيث تظهر أنها في حين أنها مهتمة بنفسها، فإنها ليست مهتمة بنفسها فقط. لقد فشلت واشنطن في اختبار القيادة، وأصبح العالم أسوأ حالاً بسبب ذلك.
  • * *
    في كل بلد، نرى قوة الروح البشرية
    نيكولاس بيرنز: أستاذ بكلية كينيدي للحكم بجامعة هارفارد، ونائب وزير سابق للشؤون السياسية بوزارة الخارجية الأميركية.
  • إن جائحة “كوفيد-19” هي أكبر أزمة عالمية يشهدها هذا القرن. وعمقها وحجمها هائلين. وتهدد أزمة الصحة العامة كل واحد من الـ7.8 مليار إنسان الذين يعيشون على كوكب الأرض. ويمكن أن تتخطى الأزمة المالية والاقتصادية الناجمة في تأثيرها الركود الكبير في 2008-2009. ويمكن أن تخلّف كل أزمة بمفردها صدمة زلزالية تغير بشكل دائم النظام الدولي وتوازن القوى كما نعرفهما.
    حتى الآن، كان التعاون الدولي غير كاف إلى حد مُحزن. وإذا كانت الولايات المتحدة والصين، أقوى دول العالم، لا تستطيعان أن تضعا جانباً حربهما الكلامية حول أي منهما هي المسؤولة عن الأزمة وأن تقودا بفعالية أكبر، فإن مصداقية البلدين قد تتضاءل بشكل كبير. وإذا كان الاتحاد الأوروبي لا يستطيع تقديم المزيد من المساعدة لمواطنيه البالغ عددهم 500 مليون نسمة، فقد تستعيد الحكومات الوطنية المزيد من السلطة من بروكسل في المستقبل. وفي الولايات المتحدة، فإن ما هو على المحك أكثر ما يكون هو قدرة الحكومة الفيدرالية على توفير تدابير فعالة لوقف الأزمة.
    ومع ذلك، ثمة العديد من الأمثلة في كل بلد على قوة الروح الإنسانية -للأطباء، والممرضات والممرضين، والقادة السياسيين والمواطنين العاديين الذين يعرضون الكثير من المرونة والفعالية والقيادة. وهذا يوفر الأمل في أن يسود الرجال والنساء في جميع أنحاء العالم في الاستجابة لهذا التحدي الاستثنائي.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: How the World Will Look After the Coronavirus Pandemic

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
43 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock