ترجمات

كيف كتب رجلا أعمال قواعد العولمة

بن فان دير ميروي* – (نيوستيتسمان) 1/4/2021
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

في العام 2002، انكمش الناتج المحلي الإجمالي للأرجنتين بنسبة 64 في المائة. وكان برنامج التقشف الذي فرضه صندوق النقد الدولي قد أدى إلى تعميق الركود في البلاد، ما أدى بدوره إلى زيادة معدلات الفقر في المناطق الحضرية إلى ثلاثة أضعاف في غضون ثلاثة أعوام فقط. وعندما ترددت الحكومة في تنفيذ المزيد من تخفيضات الإنفاق في أواخر العام 2001، سحب صندوق النقد الدولي مساعدته لها. ودخل الاقتصاد في حالة سقوط حر.
قُتل 39 شخصًا في موجة من الاحتجاجات والإضرابات التي عمت البلد في كانون الأول (ديسمبر)، ما دفع الرئيس آنذاك، فرناندو دي لا روا، إلى الفرار من بوينِس آيرس في طائرة عمودية. وخوفًا من الانهيار المجتمعي، شرعت الإدارة الجديدة في التخلف عن سداد ديون البلاد، وخفض قيمة العملة وتجميد فواتير الخدمات العامة. وعلى الرغم من أن هذه الإجراءات أدت في النهاية إلى خروج البلاد من الأزمة، إلا أنها أضرت بأرباح الشركات الأجنبية متعددة الجنسيات، التي طالبت على الفور بتعويض قدره 80 مليار دولار.
ولم تُرفع أي من هذه الدعاوى القضائية إلى أي محكمة في الأرجنتين، لأنها كانت ستقيِّم الدعاوى المرفوعة في مقابل القانون الأرجنتيني والمصلحة العامة الأرجنتينية. وبدلاً من ذلك، عُقدت محاكم شركات خاصة لكل قضية خارج البلاد. وبذلك، تتوقف النتائج بشكل كامل على معاهدات الاستثمار الثنائية بين الأرجنتين والولايات المتحدة والدول الأوروبية -وهي وثائق غامضة غائمة الصياغة، كان قد تم التوقيع عليها بموجب أوامر واشنطن في التسعينيات.
في القرن التاسع عشر، كانت أميركا قد طالبت بالمثل بمعاملة خاصة للمستثمرين الأجانب. وكان القاضي الأرجنتيني، كارلوس كالفو Carlos Calvo، هو الذي أكد في العام 1868 أن السيادة تتطلب السماح لكل دولة بوضع قواعدها الخاصة. وانتشرت حركة كالفو المناهضة للاستعمار بسرعة في منتصف القرن العشرين، حيث اجتاحت الثورة وعمليات إنهاء الاستعمار العالم كله. وكثيراً ما وجدت الحكومات المستقلة حديثاً أن مواردها الطبيعية مُنحت للمستثمرين بشروط مفرطة في السخاء.
ولم تكن هذه الحكومات في مزاج أو موقف مناسبين لدفع تعويضات عن هذه الأصول المنهوبة. وبدلاً من ذلك، شرعت في مصادرة الاستثمارات الأجنبية المباشرة بأعداد قياسية، معتمدة بشكل أساسي على ارتفاع أسعار السلع الأساسية.
ويقول نيكولاس بيروني، مؤلف كتاب “معاهدات الاستثمار والخيال القانوني”: “اعتقدَ بعض المحامين الدوليين المؤثرين في الغرب أن التعويض الكامل لا ينطبق في حالة ‘الثورة الروسية’”.
وأضاف: “خلال فترة ما بين الحربين، جادلوا بأن القانون الدولي لا يمكن أن تكون فيه قواعد يمكن أن تمنع دولة من اختيار نظامها الاقتصادي. وكان أحد الأشياء التي خشي منها المستثمرون في الستينيات أكثر من غيرها هو قدرتهم على تطبيق نفس المبدأ في فترة ما بعد الاستعمار”.
وصلت القضية ذروتها في الأمم المتحدة في العام 1974، عندما أعلنت الدول النامية عن “نظام اقتصادي دولي جديد”. ومن بين أمور أخرى، كانت هذه محاولة لإضفاء الشرعية على “مبدأ كالفو” وترسيخه في القانون الدولي -في تحد مباشر لأسيادها المستعمرين السابقين.
ومع ذلك، بعد 17 عامًا فقط، سوف يعترف مَوطن كالفو نفسه بالهزيمة، في نهاية معركة سيكون من شأنها أن تضع شروط العولمة.
“الوثيقة العظمى” للرأسمالية
بينما كانت أوروبا تخرج من أهوال الحرب العالمية الثانية، أصبح من الواضح أن الدول لم تعد قادرة على المطالبة بسيادة غير مقيدة. ومع ذلك، من بين الفظائع الكئيبة التي حدثت في نورمبيرغ، جاء نداء آخر “ليس مرة أخرى أبداً” -من الصناعيين الألمان الذين رأوا أصولهم الأجنبية وهي تُصادَر كتعويضات.
وكان واحد من بين أعلى تلك الأصوات صوت هيرمان جوزيف آبس Hermann Josef Abs. كمدير لـ”بنك دويتشه” خلال الحرب، ساعد آبس على الإشراف على مصادرة أملاك يهود أوروبا؛ وبصفته مديرًا لشركة تصنيع الغازات السامة، IG Farben، لم يكن يخالطه أي شعور بالذنب عن المشاركة في إبادتهم أيضًا.
واستشعارًا منه للخوف الذي أوقعه إنهاء الاستعمار الآن في قلوب مستثمري البلدان الأخرى، قدم في العام 1957 ما أسماه “وثيقة عظمى للرأسمالية”.
تصورت وثيقته العظمى عالماً يكون فيه المستثمرون في كل مكان محميين بموجب حقوق ملكية على الطراز الأميركي، قابلة للتنفيذ في محكمة دولية. ولم يكن هذا يعني الحماية من المصادرة فحسب، بل عنى أيضًا “المصادرة غير المباشرة” -أي اللوائح أو الضرائب التي يمكن اعتبارها مرهقة للغاية.
في تحالف غير متوقع، تعاون آبس مع هارتلي شوكروس Hartley Shawcross من شركة شل -الذي كان قد شغل منصب المدعي العام البريطاني في نورمبيرغ- وقام بجولة في أوروبا وأميركا الشمالية، روج فيها لوثيقته العظمى كحل للثورة الكالفونية المتصاعدة في “الجنوب العالمي”. ومع ذلك، تم رفض فكرة أن الدول النامية يمكن أن توقع على مثل هذا الميثاق على نطاق واسع، حيث وصف أحد المعاصرين بشكل واضح تلك “الوثيقة العظمى” بأنها “بيان بشروط مصرفي يسعى إلى الارتقاء إلى مستوى جلالة القانون”.
انقلاب العولمة
كيف تأتى لذلك الحلم الطموح بطريقة ميئوس منها لرجلي أعمال أن يتحقق بشكل شامل بعد أربعة عقود؟ يبدو أن الدول لم تكن تنطوي على الكثير من الاهتمام بالنظام المعروف باسم “تسوية المنازعات بين المستثمرين والدول” (ISDS) في البداية، في حين أن الأدلة على قيام الشركات الشركات بتكوين مجموعة ضغط كانت مجزأة وظرفية إلى حد كبير.
يقول تايلور سانت جون Taylor St John، مؤلف كتاب “صعود التحكيم بين المستثمر والدولة”: “أحد الأشياء التي واجهتُها كان كيفية تفسيرنا للصمت. هل يعني ذلك أنهم لم يكونوا نشطين، أم يعني أننا لم نعثر على الأماكن التي ربما كانوا يجرون فيها محادثات ويحاولون فعلاً أن يكونوا نشيطين؟”.
في كتابه، يجمع بيروني هذه الأجزاء معًا، مجادلاً بأنها تتجمع لتُظهر الاهتمام المستمر بنظام “تسوية المنازعات بين المستثمرين والدول” من قبل مستثمرين معينين.
وسواء كان البنك الدولي يتصرف بأمر من المستثمرين وراء الكواليس أم لا، فقد قاد مسؤولوه تقدم نظام “تسوية المنازعات بين المستثمرين والدول” منذ الستينيات فصاعدًا.
كانت استراتيجية البنك الدولي تتمثل في تجريد “الوثيقة العظمى” من أكثر مكوناتها إثارة للجدل: الحقوق الموضوعية الثابتة الممنوحة للمستثمرين. وسوف تتم إعادة تقديمه فيما بعد من خلال معاهدات الاستثمار الثنائية، وتم ذلك بمهارة لتجنب المعارضة الموحدة للجنوب العالمي.
وكان ما تبقى هو مجموعة من القواعد التي تحكم التحكيم ونشوء مؤسسة لاستضافته، “المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار” (ICSID). ومع ذلك، حتى الفوز بالموافقة على إنشاء “المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار” تطلب الكثير من البراعة.
كما يقول سانت جون، كانت “الطريقة التي تم بها تنظيم المشاورات حول ‘المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار’ تشير إلى أن البنك الدولي كان مدركًا تماماً لإمكانية أن هذه البلدان… من غير المرجح أن تصادق عليه”.
ويضيف: “كانت هناك أربعة مؤتمرات إقليمية، لكن البنك الدولي زعم أنه لا يمكنه توزيع التسجيلات والسجلات بين هذه المؤتمرات لأن ذلك سيكون ‘مكلفًا للغاية’. وبذلك يكون لديك، على سبيل المثال، مسؤول أرجنتيني يقدم ما يمكن أن يكون حججًا مقنعة ضد تأسيس ‘المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار”، ويقول المسؤولون الهنود والنيجيريون أشياء مشابهة جدًا -لكن هؤلاء المسؤولين الثلاثة لم يستمعوا لبعضهم بعضا، لذلك لم يتمكنوا من تشكيل معارضة موحدة”.
حققت هذه الإستراتيجية نجاحًا ساحقًا في الجنوب العالمي، لكن الدول الغربية بدت وأنها ليس لديها اهتمام كبير بدمج نظام “تسوية المنازعات بين المستثمرين والدول” في معاهداتها. وخشيت الحكومتان، الألمانية والأميركية، من أن يزيل نظام “تسوية المنازعات بين المستثمرين والدول” سلطتهما التقديرية بشأن ما إذا كانتا ستتابعان مطالبة المستثمر، الأمر الذي قد يقلب الاستراتيجيات الدبلوماسية الحساسة للحرب الباردة.
ومع ذلك، منذ العام 1968 أصبحت المعاهدات تشمل تدريجيًا نظام “تسوية المنازعات بين المستثمرين والدول”، تعقبت انتشاره عن كثب جولة الضغط والتحشيد التي قام بها أمين عام “المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار”. وبحلول العام 1988، كان قد تم التوقيع على 28 معاهدة فقط تحتوي على نظام “تسوية المنازعات بين المستثمرين والدول”، لكن المسرَح أُعِد مع ذلك للانفجار.
تماماً مثلما كان الازدهار في أسعار السلع الأساسية في السبعينيات قد مكّن دول الجنوب العالمي من تخيل نظام اقتصادي دولي جديد والمطالبة به، كذلك سحبت أزمة الانهيار والديون في الثمانينيات الأرض من تحت أقدامها.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: How two businessmen wrote the rules of globalisation

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock