ثقافة

كيف كسب الأدباء والشعراء عيشهم في القرن العاشر الميلادي؟

عمان – يشعر الأدباء والشعراء والمثقفون اليوم بالقلق حول فرص العمل المحدودة وسبل كسب العيش، ويلجأ الكثير منهم إلى العمل في وظائف ومجالات أخرى، بينما يحظى القليل منهم فقط بفرص معيشة جيدة بعد أن تحقق أعمالهم الشعرية والأدبية شهرة واسعة.
غير أن ظروف الأدباء والشعراء المعيشية كانت مختلفة كثيرة في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين، إذ كانت طبقتهم تحظى بمكانة اجتماعية واقتصادية مرموقة، وروى أبو منصور الثعالبي في كتابه “يتيمة الدهر في شعراء أهل العصر” عن موقع الأدباء المميز في بلاط الأمراء والحكام وارتباطهم المميز بمؤسسات الحكم والسلطان.
يعتبر “يتيمة الدهر” أحد أهم المصنفات الأدبية، وقد مزج فيه الثعالبي بين درر قرائح الشعراء والأدباء وأحوالهم المعيشية والشخصية، وكتب فيه عن الذين عاصروه أو سبقوه قليلا، ليغطي أخبار وأحوال حقبة زمنية تشمل القرن الرابع وصدر القرن الخامس الهجريين.
ويضم الكتاب عدداً كبيراً من الشعراء والأدباء الذين انتشروا في رقعة واسعة من البلاد التي ازدهرت فيها الآداب والثقافة العربية من بلاد الشام والعراق وشمال أفريقيا والأندلس وحتى بلاد فارس وخراسان وما وراء النهر، ورسم صورة كاملة للحياة الأدبية في تلك البلدان وقتها.
وسعى شعراء وأدباء ذلك العهد إلى الدخول في بلاط الأمراء والحكام والوزراء أو الأسر النافذة والعائلات الكبيرة، ووجدوا فرصاً ووظائف متاحة وخيارات متعددة للعمل كمقربين للحكام أو موظفين متعلمين ذوي كفاءة، مستفيدين من تعدد المراكز وتحكّم سلالات مختلفة ومتنافسة في بغداد ودمشق والقدس والقاهرة والحجاز وأفريقيا والمغرب والأندلس بالعالم الإسلامي، وذلك حسب الأكاديمي اللبناني المختص بالأدب العربي بلال أورفلي.
حكم الإخشيد مصر في هذه الحقبة الزمنية الثرية، وكانت هناك سلالة الأغالبة الذين حكموا المغرب العربي وجنوب إيطاليا وصقلية ومالطا قبل أن يقضي عليهم الفاطميون الذين بنوا القاهرة، وامتد حكم العباسيين في بغداد وأفريقيا، والأمويين في الأندلس، بينما ظهر في القرن الحادي عشر الميلادي الغنزويون في بلاد ما وراء النهر وشمال الهند وخراسان، والمرابطون ومن بعدهم ملوك الطوائف في المغرب والأندلس.
ومع ذلك كانت المنافسة شرسة والفرص متباينة، حيث يوجد الموظفون الزائرون “الطارئون” وأولئك الذين أقاموا في بلاط الحكم لفترات أطول (المقيمون)، ورغب البعض في الحصول على وظيفة مستقرة في البلاط مثل منصب السكرتير أو كاتب المراسلات (ديوان الرسائل)، وأصبح بعض الشعراء ندماء للخلفاء والأمراء، بينما اعتمد آخرون على الهبات والعطايا والهدايا الموسمية بحسب دراسة الأكاديمي اللبناني المنشورة ضمن كتاب الشرق الأوسط في معهد الدراسات المتقدمة برينستون (1935-2018).
وظل أغلب الشعراء موالين لبلاط واحد وأمضوا معه معظم حياتهم، وأصبحت أسماؤهم مرتبطة به. وكان الأديب والناقد أبو الفرج الأصفهاني مؤلف كتابي “الأغاني” و”مقاتل الطالبين” يعمل كاتباً ومقرباً من بلاط وزير الدولة البويهية أبو محمد الحسن المهلبي الذي صيره كاتبا له وجعل له حظوة كبيرة عنده.
غالبًا ما يخبرنا الثعالبي في كتابه “يتيمة الدهر” عما يهم الأمراء على وجه التحديد، وكيف اختاروا حاشيتهم من بين الذين تقدموا ليكونوا ضمن رجال البلاط، وتناول دور خطابات التوصية الذي يعد نوعاً قديماً من امتحانات القبول والمقابلات الوظيفية وعروض العمل وغيرها.
ويشير الثعالبي إلى أنه كان يتم تأليفه الكتب وتكريسها للأمراء الذين يرعون الأدب والمعرفة، ويشرح الطرق التي تجري بها مكافأة الشعراء والأدباء على أعمالهم، وتعد معظم الروايات بمثابة قصص نجاح تشهد على موهبة المتسابقين وخلفياتهم وتشير إلى سخاء الأمراء مع رجال بلاطهم ورعايتهم للأدب والمعرفة.- (الجزيرة نت)

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock