ترجمات

كيف محا الوباء الابتسامة عن وجوهنا (حرفيا)

آن رو – (مجلة 1843) 18/1/2021

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

كانت العربة فارغة، لكن المرأة التي صعدت للتو إلى متن القطار في غاتويك، محملةً بالحقائب، ألقت بنفسها في المقعد أمام مقعدي. وكنا نرتدي أقنعة وجوه، بالتاكيد، لكن ذلك كان قريباً جداً، ولذلك انتقلت عدة مقاعد أبعد. وعند ذلك انتابني شعور فظيع. من دون قناع الوجه، كان يمكن أن ابتسم لها، كما لو لأقول، “أنا آسفة على أنني فعلت هذا، لكنني أعتقد أننا سنكون أكثر أمانا-أنتِ وأنا- إذا فعلت”. كان ذلك ليصنع إيماءة اعتذار ملطِّفة، بنص فرعي يقول: “نعم، نحن جميعاً في هذا معاً، أليس هذا هو الألم نفسه؟”. لكنني كنتُ بدلاً من ذلك بلا تعبير وراء ذلك النسيج الأزرق. ودعونا نواجه الأمر؛ كنتُ فظّة.
ربما يكون الموقف أكبر من إمكانية حَزمه في ابتسامة. لكنّنا جميعاً نفعل ذلك بشكل مستمر، أكثر أو أقل –أو أننا اعتدنا أن نفعله- في حياتنا العامة. والابتسامات قادرة على التنوع بلا نهاية، وهي تمرُّ وتتحول برقة، وفي جزء من الثانية، مثل الطقس. ثمة الابتسامة الحزينة، عندما لا يسير شيء ما كما كان مخططاً له. القلقة، عندما لا تكون متيقناً تماماً من كيف ستكون الأمور. المنتصرة، التي ترتسم بمجرد أن ينغلق باب العربة، والمتخفِّفة، عندما تجلسُ وتستريح في نهاية يوم طويل. والزائفة، والمحمومة، والمبتهجة، والواثقة. وكان من أبلغ مكامن الحرمان في عالم “كوفيد” هو أن كل هذا التنوع غالباً ما تتم تغطيته. قد تكون العيون مرايا الروح، لكنها تحتاج إلى الفم لإظهار ما تعنيه.
الابتسامة الواسعة البسيطة، من النوع الذي يحاول المصوِّرون استدعاءه فينا مع صيحات “تشيز”، أو الأكثر غرابة “سوسيجيز” كانت دائماً شيئاً نادراً. وأنا أكره أن أراها في نفسي؛ فمي في وضع ابتسامة مسنَّنة حتى تبدو عيناي وكأنهما تختفيان في رأسي. وقد ترأست مثل هذه الصورة ذات مرة عموداً كنت أكتبه لمجلة أسبوعية، والتي تعلن للقراء -كما اعتقدت- أيَّ مخلوق سخيف خفيف الوزن كنتُ، مهما كانت جديّة المقال. وقد أصبحت الآن أفضل مظهراً وأكثر تحفظاً ومراوغة، وهناك تاريخ طويل لذلك.
في العالم القديم، كانت الكائنات الوحيدة التي يتم تصويرها بابتسامات واسعة هي المخلوقات الأسطورية الإغريقة وآلهة الخمر، التي تكون كلها في حالة سُكر وفوضى. وفي العصور الوسطى كانت ترتدي تلك الابتسامات الواسعةِ تماثيلُ الميازيب، والشياطين وغيرها من الكينونات التي تعذِّب الرجال والنساء الفاضلين. وأنتج القرن السابع عشر متسوِّلي موريللو الضاحكين (1) وبعض الهولنديين المبتهجين، قبل أن تجلب أواخر القرن الثامن عشر الابتسامات المزدريِة كبيرة الشفاه وسائلة اللعاب للشخصيات الملكية والسياسيين في الرسوم الكاريكاتورية لغيلراي ورولاندسون.(2) وفي العصر الفيكتوري فقط أصبح الناس العاديون، مثل تلميذات المدارس الضاحكات أو الحشود في سباق الخيل، يرتدون ابتسامات منطلقة لا يعتقلها الخجل. وليست ابتسامة “قط شيشاير” (في عمل لويس كارول “أليس في بلاد العجائب”) التي بلا جسد مضحكة، بل إنها مروعة تقريباً. (3)
لكَم سيبدو غريباً لأي من هؤلاء الأسلاف أن يرى كيف يتحول العالم الآن ليكون المضيف لهذه الوجوه المبتهجة التي تدعونا إلى مشاهدة العروض، أو تناول المعكرونة، أو شراء الأرائك أو السفر إلى إسبانيا (على افتراض أنه يسمح لنا بالقيام بأي من هذه الأشياء). أصبحَت الابتسامات الآن هي العملة الطبيعية الرائجة في اجتماعات القمة بين قادة العالم، كما هو حالها في النزهات بين الأصدقاء. لم يعد ذلك المظهر شائعاً كما كان في الأيام التي ترتّب فيها الاحتفال برحلة إلى بلدة سكيغنيس، أو بـ”كعكة فكتوريا إسفنجية” مثالية، بإشراق مبهر من صنعة طب أسنان مثالي. ليس ثمة ما هو عابس بحزم مثل عارضة أزياء من القرن الحادي والعشرين تسيرُ على ممشى. ومع ذلك، يستدعي معظمنا، بينما يميل إلى الخلف لالتقاط صورة “سيلفي”، ابتسامة -كشيء طبيعي.
ربما نحاول أكثر من اللازم. لقد أدركت العصور السابقة أن أعظم جاذبية، وأقوى اقتراح للقوة والحكمة الغامضة، يكمن في تفريق طفيف جداً للشفاه، بل وتضييقٍ أقل للعينين: ظلِّ ابتسامة قد تكبر بعدُ، لكنها أكثر احتمالاً لأن تختفي. كانت هذه هي الطريقة التي نظَر بها الآلهة، وخاصة الإلهات، إلى العالم، كما لو أنهم يتنفسون هواء أكثر قداسة، أو يتسلّون شيئاً بسخافة هؤلاء الذين لا يعدون كونهم بشراً. أبو الهول العظيم، أيضاً، لديه هذا التعبير، ربما تعبير تأمُّل مستغرق للألغاز والغوامض التي ما يزال يترأس مملكتها (النحات المصري الذي عمل لعقود على استعادته شعر بأن التمثال كان دائماً على قيد الحياة، ويشكره على اهتمامه).
مثل أنصاف الابتسامات هذه يمكن أن تكون فاتنة إلى حدٍّ مؤرق. إنها تشرح بالتأكيد رسم “الموناليزا”، التي كانت صورتها الباهتة الضاربة إلى الصفرة في متحف اللوفر –قبل “كوفيد”– محاطة دائماً بحشود المعجبين. شخصياً، أجد ابتسامتها (العارفة، الراضية عن الذات) غير مريحة تماماً، كما هو حالها كلما التقيتُ بها على وجهٍ حيّ. أعطني بدلاً منها “السيدة مع قاقم” في لوحة ليوناردو، صاحبة الابتسامة الخجولة غير الواثقة، ولذلك آسرة.
ولكن، في بعض الأحيان هذه الأيام أجد نفسي أفكر: أعطني ابتسامةً من أي نوع. دعني أقرأ الطقس اللحظي العابر للبشرية مرة أخرى كما اعتدت أن أفعل في الحافلات والقطارات التي أصبحت الآنَ مقنَّعةً، والمنصات والشوارع، وفي المتاجر. الابتسامات هي الخطافات التي ننجذب بها إلى حياة بعضنا البعض، ولو للحظة فحسب. أنها تصنعُ شبكة من المجتمع، مهما تكُن رقيقة. ربما، إذا رأيتُ تلك المرأة في قطار غاتويك مرة أخرى، سأكون قادرة على تجربة شيء أكثر وداً من ذخيرتي: “المعترِفةِ”، “المخفِّفة”، “السعيدة”. ثم، ربما، ابتسامة “أبو الهول”.
*Ann Wroe: مؤلفة وكاتبة عمود إنجليزية. وهي محررة في مجلة الإيكونوميست.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:How the pandemic wiped the smile off our faces (literally)
هوامش المترجم:
(1) الإشارة إلى رسام الباروكي الإسباني بارتولومي إستيبان موريللو (1617-1682). وعلى الرغم من أنه اشتهر بأعماله الدينية، إلا أن موريللو أنتج أيضًا عددًا كبيرًا من اللوحات لنساء وأطفال من عصره. وتشكل هذه الصور الواقعية والحيوية لفتيات الزهور وقنافذ الشوارع والمتسولين سجلاً واسعًا وجذابًا للحياة اليومية في عصره.
(2) الإشارة إلى توماس رولاندسون وجيمس غيلراي. ورولاندسون هو فنان ورسام كاريكاتور إنجليزي من العصر الجورجي، اشتهر بهجائه السياسي وملاحظته الاجتماعية. أنتج رولاندسون ، وهو فنان وصانع مطبوعات غزير الإنتاج ، كلاً من الهجاء الاجتماعي والسياسي الفردي، بالإضافة إلى عدد كبير من الرسوم التوضيحية للروايات والكتب الفكاهية والأعمال الطبوغرافية. ومثل رسامي الكاريكاتير الآخرين في عصره، مثل جيمس غيلراي ، غالبًا ما تكون رسومه الكاريكاتورية قوية أو فاضحة. وشملت رسومه الكاريكاتورية تلك الخاصة بأشخاص في السلطة، مثل دوقة ديفونشاير وويليام بيت الأصغر ونابليون بونابرت. وكان جيمس غيلراي رسام كاريكاتو وصانع طباعة بريطانيًا مشهورًا بهجاءاته السياسية والاجتماعية المحفورة، التي نُشرت بشكل رئيسي بين العامي 1792 و1810.
(3) قطة شيشاير Cheshire Cat هي قطة خيالية روّجها لويس كارول في كتابه، “مغامرات أليس في بلاد العجائب”، وهي معروفة بابتسامتها المميّزة التي تشيع شعوراً بعدم الراحة. إحدى السمات المميزة لقطة شيشاير هي المرور، على غرار أليس، بحالة اختفاء تدريجي دوري لجسمها، تاركة أثرًا واحدًا أخيرًا مرئيًا: ابتسامتها المميزة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock