أفكار ومواقف

كيف نتذكّر “صبرا وشاتيلا” ؟


هناك، في أميركا، يتْلونَ في مراسِمِ إحياءِ ذكرى “11 سبتمبر” أسماءَ الضحايا الـ 2751 في الهجمات، أمّا تذكُّرُ بعضنِا سنوياً مذبحة صبرا وشاتيلا فيخلو من ضبطِ عددِ ضحاياها، ومن توثيقٍ أسمائِهم، فيأتي الكلامُ عنهم أرقاماً فالتة. وهذه فضيحةٌ أخلاقيةٌ مُضافة، يرتكبها الفلسطينيون والللبنانيون بشأنِ الجريمة، قد يُخفّفُ من وطأتِها الكتابُ المرجع “صبرا وشاتيلا … أيلول 1982” الذي أنجزته بيان نويهض الحوت في 800 صفحة، فقد تضمّن 17 لائحةً غيرَ مكتملةٍ لأسماء 906 ضحايّا و484 مخطوفاً ومفقوداً لم يعودوا. وإذ كان في البال أنّ منظمة التحرير قامت عنواناً سياسياً وكفاحياً للاجئين الفلسطينيين، فإنّ أياً من مؤسساتِها لم تُبادر طوال 28 عاما مضت إلى هذا التوثيق المطلوب، ولم تنشطْ لإقامةِ نصبٍ أو جداريةٍ للضحايا الذين لا أضرحة لهم، ولم يحظوا إبان ذبحِهم بمراسمِ دفنٍ لائقة.


ليس شهداءُ “صبرا وشاتيلا” فلسطينيين فقط، فثمّة لبنانيون كثيرون معهم، وسوريون ومصريون وجزائريون وباكستانيون. وقرأنا أنَّ خمسةَ عمالٍ بنغاليين قتلهم المجرمون في أسرّتهم، ولم يكونوا يعرفون من العربيّة غير “الله أكبر”، وأنّ اغتصابَ شاباتٍ تمّ، وتقطيعاً لأصابعِ فتياتٍ صغيرات، وأنّ طفلاً في التاسعة قطعوه من فوقِ رجليهِ نصفين، وأنّ اللبنانية زينب المقداد قتلوا أولادَها السبعة، وكانت حاملاً وبقروا بطنَها، كما وفاء حمود، اللبنانية أيضاً، التي قتلوا أولادها الأربعة. وأنْ نقرأَ مجدّداً عن هذه الفظاعاتِ، وغيرها كثير، قد يعينُ في تصريفِ بعضِ عواطفَ موسميّةٍ لدينا تجاه الذين راحوا في “فضيحةِ عصرِنا إلى الأبد”، بتعبير محمود درويش، فيما الأهمُّ أنْ يظلّ السؤالُ حاضراً، عن القتلة والمجرمين من هم بالضبط، وأين هم الآن، فإشهارُ أسمائِهم من بعض الواجبِ الأخلاقيِّ تجاه أولئك الآدميين الذين أشهرت كاميراتٌ صورَ أجسادِ بعضِهم مرميّةً في زواريب المخيمين الذبيحين، لكنها لم تنقلْ رائحةَ الموتِ البيضاءِ الكثيفةِ فيهما، بحسبِ جان جينيه.


من المخازي اللبنانية، والفلسطينية والعربية والدولية أيضاً، أنّ محاكمةَ لم تتم للمجرمين الذين استخدموا البلطات والسكاكين والفؤوس والرصاص والقذائف والبساطير، ولم يُساءَلْ أيٌّ منهم، ولم يتحقق شيءٌ من العدالة والإنصاف للضحايا، وأنّ عقاباً أو ثأراً لم يحدثْ، وأنَّ تقريراً فلسطينياً رسمياً يُحدّد لوائح اتهامٍ لمجرمي الحرب في المذبحة لم يصدُرْ، وأنّ تقريراً لبنانياً رسمياً صدر بعد 11 يوما على المجزرة، أعدّته لجنةٌ ترأسها مدّعٍ عسكري عام، كان معنياً فقط بتبرئة “القوات اللبنانية” من المسؤولية، ونُشر تالياً أنّ التقرير مفقودٌ حالياً من الملفات الرسمية في الدولة اللبنانية (!).


ولنتذكر أنّ أحد أبرز المشاركين في واقعةِ التقتيل الأعمى المجنون، واسمُه إيلي حبيقة، حين اتّخذ مقعداً بين حلفاء سورية وأصدقائها بعد مغادرتِه خيارَه الإسرائيلي، لم توجِبْ عليه دمشق أنْ يُبرّئَ نفسَه مما اقترف، أو أنْ يُعلنَ اعتذاراً أو اعترافاً أو تطهّراً، وقد صيّرته نائباً ووزيراً، وقبيْل اغتيالِه أشاعَ أنّه بريء، حتى إذا صَرعَه أحدُهم (من هو؟)، منحه إميل لحود وسام الأرز.


بالتزامن مع الذكرى قبل أيام، كان نائبٌ، من حزب الكتائب المشارك في الحكومة اللبنانية، اسمه سامي الجميل، يتباهى بعلاقة التحالف التي كانت بين الكتائب وإسرائيل، ولا يراها مُخْجلة. ولا تزيّد في القولِ هنا إنّ في هذا الكلام قتلاً مضافاً لضحايا “صبرا وشاتيلا”، فالمذبحة كانت تعاوناً كتائبياً إسرائيلياً، بعد أيامٍ من قتل بشير الجميل، عم النائب المذكور، وهذا تفصيلٌ لا يغيبُ عن البال ونحن نتذكّر المذبحة، لكنّ الأهم أنْ نتذكّر أنّ القتلة أفلتوا من أيّ عقاب، وأنّ الضحايا لم ينتقلوا بعد من خانةِ الأرقامِ غيرِ المضبوطة إلى خانةِ الأسماء المؤكّدة.

تعليق واحد

  1. لن ننسى
    أسعد الله صباحك أخي الكاتب

    مقالك رائع و يتحدث عن واحدة من أهم الأحداث التي أثرت في حياتي.

    لم أنسى التاريخ و لم انسى الصور و لم أنسى الأخبار و لم أنسى الأحداث….كنت طالبآ في الكويت (عمري 14 سنة) و كان الجو العام حزينآ جدآ و إتشحت معظم المباني في حينها بالسواد فكان اللون الأسود يظهر في كل زوايا الكويت, على المباني و على الشرفات و على الأسطح و على السيارات…كان الحزن شديدآ….كان بكاء أهل البيت عندنا مسيطرآ على الجو العام لأيام و أيام. لم ننسى يا أخ معن و لن ننسى…سيأتي اليوم الذي نحاسب فيه القتلة حتى نرد جزء من الإعتبار لشهدائنا الأبرار الذين سقطوا على أيدي إخوتنا العرب!

    لن ننسى و لن نركع

  2. لا تحزن ولا تدمع عينيك
    اخواني هذا الكلام المكتوب عن هذه القضيه هو لنعرف ان الشعب العربي مظلوم ولن ينصلح حاله الا اذا توحد صفهم صفا
    وشكرا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock