أفكار ومواقف

كيف نجعل المدرسة تعج بالحياة؟

في مقال لي ظهر في “الغد” في 7/12/2018 تكلمت عن ضرورة تعليم وتعلم حل المشكلات في المدرسة (Problem Solving) الذي يدعو إليه المتحدثون في شؤون التعليم، ويرهق بعضهم نفسه في تكرار الحديث عنه في تلفزيون، أو إذاعة، أو صحيفة… ولكنه حديث في الفراغ لأن المدرسة لا تعمل به، أو لم يعلمها أحد كيفية العمل به، وفاقد الشيء لا يعطيه.
تحديد المشكلة، ومحاولة حلها مهارة معرفة حياتية، لازمة، ويجب أن تبقى مع المرء طيلة الحياة، لأن المسائل أو “المشكلات” لا تنقطع، وعندما لا تحل أولاً بأول بنجاح تتراكم وتفتك به أو تدمر حياته. وينطبق الأمر نفسه على الدولة.
تصوروا الانقلاب الإيجابي / الحياتي الذي يحدث إذا تبنت المدرسة والدولة هذا الاتجاه. ولإعطاء فكرة صغيرة عنه دعونا نقوم بهذه التجربة العقلية.
تصور نفسك مدير/ة أو معلماً /ة في مدرسة، وقررت التعرف إلى المشكلات التي يعاني الأطفال منها في المدرسة، فجمعتهم صفاً صفاً أو جميعاً وسألتهم: ما المشكلة الرئيسة في المدرسة في نظركم أيها الأعزاء؟ ستفاجأ بكثيرين يرفعون أصابعهم: إنها نظافة الحمامات فنحن لا نستطيع استخدامها يا أستاذ. وعندئذ قد تسألهم لماذا؟ بعضهم يقول: لقلة عددها، وبعض آخر قد يقول: لسوء استخدامها. وثالث قد يقول: لقلة الماء اللازم للنظافة، ورابع يرى: نوع الحمامات، وخامس يؤكد أنه إهمال العاملين، وسادس يقول: لوساختها… وهكذا.
يطرح المعلم أو المدير عليهم التصويت على هذه العوامل أو الأسباب واحداً واحداً فيكتشف أن العامل الرئيس – مثلاً- هو قلة الماء، يليه إهمال العاملين، يليه سوء الاستخدام، وهكذا.
وفي أثناء ذلك تقوم لجنة من الأطفال ومربي الصف أو الصفوف بتسجيل الوقائع أولاً بأول.
حسناً، تقول بصوت قوي: لقد حددنا المشكلة؟ فما الحل؟ ويتبارى الأطفال بطرح الحلول فهم مبدعون بالفطرة أمام الأسئلة والتحديات. هذا يقول: وضع مزيد من “تنكات” المياه على السطح. وآخر يقول: معاقبة العاملين المهملين. وثالث يقول: نشارك في تنظيفها، ورابع يقول: توفير المواد اللازمة للتنظيف. وهكذا يضع الأطفال أصبعهم على الحل أو الحلول ويعدون أنفسهم للمشاركة في حلها، ويدركون أن المسألة عملية (Process) وأن الجميع شركاء في المشكلة والحل.
في مثل هذا الجو المفتوح تتفتح عقول الأطفال وينطلق منها الإبداع والابتكار.
وبمثله نعالج نظافة بقية مرافق المدرسة، والضعف التعلمي والتعليمي، العام والفردي.. وقد ننتقل من “الغيار” الأول هذا، إلى الغيار الثاني، فالثالث إلى الرابع… فنجعل المدرسة تشارك في حل مشكلات عامة تطرح عليهم مثل مشكلة النقل العام لتحديدها واقتراح حلول لها، فقد يقولون لك: إنها في الوسائط أو في الكلفة، أو في عدم الانضباط في المواعيد، أو في قذارة الوسائط، أو في سوء تخطيط المدينة، أو في سيطرة الثقافة الخاصة.. وبالطبقة نفسها يفحصون مختلف المشكلات ويقفون عند أهمها، ويقارنون حلول وتداعيات كل منها بحلول وتداعيات الآخر.
وبعد تحديد المشكلة واقتراح الأطفال توصيات لحلها تقوم اللجنة المكلفة بقراءة الوقائع بصوت عال عليهم وتعد تقريراً بها لإرساله إلى الجهة الرسمية ذات العلاقة، وقد تنشره في الصحف ووسائل الاتصال لرفع معنويات الأطفال في هذا الأسلوب.
بغمس الأطفال حتى نهاية المرحلة الثانوية في نشاط كهذا ينطلق تفكيرهم الناقد والإبداعي. والمنطقي، وحتى الأخلاقي والجمالي، ويحلّق ويتعلمون في أثنائه كيفية اتخاذ القرار، بل وإعادة صياغة المشكلة إذا لم تنجح الحلول المقترحة. وبنشاط كهذا يستيقظ الأطفال مبكراً كل يوم للذهاب إلى المدرسة لينغمسوا فيه.
وكما ترى فإن تبني هذا المنهج/ الأسلوب في التعلم والتعليم يدب الحياة في المدرسة وربما يفاجأ المدير/ة والمعلمون والمعلمات بوضع الأطفال قوارير (زريعة) في الصفوف لزيادة الأكسجين في الغرفة، وباقات أزهار على طاولة المعلم/ة .
مهارة / معرفة تحديد المشكلة وحلها واحدة مهمة جداً من المهارات الحياتية، كالتفكير الناقد، والعلمي، والمنطقي، والأخلاقي والجمالي، والحوار، والمحاججة، والعمل في فريق والانضباط، والثقة بالنفس، لكن الطريقة التي يتم بها وضع المناهج والكتب الحديثة والتعليم لا تسير في هذا الاتجاه.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock