أفكار ومواقف

كيف نحمي رقيقي الحال؟

روى لي أحد رؤساء بلدية إربد السابقين، أنه لاحظ أن محاضر البلدية في الستينيات والسبعينيات، كانت إذا ذكرت معونات الأُسر المستورة دعتها: معونات “رقيقي الحال”، وليس معونات الفقراء، والحقيقة أن الفقر لا يقتصر على قلة المال، فقد نشهد أكثر الناس ثراءً فقيراً في عقله وسلوكه، تعساً في حياته، ونجدُ أقلهم في الموارد المالية غنياً في حكمته ورجاحة عقله وسعادته، ولكن الأخطر من اللغة واللفظ هو اعتماد الفقر كأنه قدر الفقراء وحظهم الدائم في الدنيا.
البشرية أخفقت في مجال التنمية البشرية، ولهذا فإن أعداد رقيقي الحال في ازديادٍ مستمرٍ، بما ينبي عليه ذلك من شيوع العوز والخوف، وانتشار النزاع في المجتمعات الإنسانية، حتى صار تحدي التنمية البشرية هو التحدي الأول أمام المجتمع العالمي والمجتمع البشري.
كورونا زادت الطين بلة، وضربت الاقتصاد العالمي في العَرض والطلب في آن واحد، حتى صار يئن تحت وطأة كسادٍ وانكماشٍ عالميين نعيش آثارهما الاقتصادية والاجتماعية والنفسية يومياً.
محلياً هاجمتنا كورونا ونحن في وضعٍ اقتصادي معقدٍ أصلاً، وقد زادت المديونية وارتفعت نسب البطالة، وهذا تحد كبير، وعلى أهمية حملات الشتاء والصيف لمساعدة “رقيقي الحال” فإن وضعنا الاقتصادي تعدى ذلك، وأصبح الجميع بشكلٍ أو بآخر من “رقيقي الحال”، وفي هذا المجال فقد أخذت الدولة توجهاً صحيحاً في جوهره، وهو حماية عمل العمال والموظفين والاستمرار في تأمين حصولهم على رواتبهم، ولكن حماية العمال و”رقيقي الحال” يستوجبُ أيضاً حماية القطاع الخاص المشغل الأوسع لهؤلاء العمال والمورد الأهم لميزانية الدولة، وهو المجال الوحيد للاقتصاد غير الريعي في البلد الذي يسهم في حركة إنتاجٍ فعليةٍ، وليست اعتمادية غير منتجة.
ضمان استمرار العمال في القطاع الخاص مرهون باستمرار العمل، وتصور أن تصفيد العمال بأعمالهم بموجب بلاغات وأوامر الدفاع فقط، دون مساعدة القطاع الخاص على الاستمرار سيؤدي إلى أنك تحتاج قريباً لحملة تبرعات للطرفين العمال وأصحاب العمل، وفي هذا الشأن أكثر ما سيصيب العمال في مقتل هو الذهن الشعبوي الذي يدعي الدفاع عن العمال ويخنق مصدر رزقهم.
الملف الاقتصادي في الأردن أعقد من مجرد برامج لتأمين احتياج المواطنين من المأكلِ وضروراتِ الحياةِ اليومية، ذهن حملات الإعانات لن يفيد، وهو غير قابل للحياة، فإن الدولة التي تعين يجب أن تضمن مصدراً للدخل، ولن يتأتى لها ذلك دون الحفاظ على استمرارية القطاع الخاص، خاصةً وأن القطاع الخاص في الأردن أغلبه شركات صغيرة ومتوسطة.
إن كان عنوان المئوية الأولى هو مئوية الصمود، فإن عنوان المئوية الثانية يجب أن يكون مئوية الإنتاج، والإنتاج يحتاج رؤية اقتصادية مختلفة عما نشهده الآن، نحتاج رؤيةً تقوم على تعظيم اقتصاد الإنتاج وهجر اقتصاد الاعتمادية على الدولة في التوظيف والريع، نحو اقتصادٍ فاعلٍ منتجٍ يرنو نحو الاكتفاء في تأمين الحاجات الأساسية محلياً، بما يتطلبه ذلك من إعادة إحياء قطاع الزراعة والصناعة الخفيفة والمتوسطة، وتشجيع الريادة والأعمال الصغيرة والمتوسطة، والنهوض بالسياحة الداخلية والخارجية، وتشجيع الاستثمار الوطني والأجنبي، الأمر الذي يؤدي إلى كسر الاحتكارات في كل مجالات الاقتصاد، وتوسيع القطاع الخاص ليشمل كل مجتهد وصاحب همة، وهذا يحتاج لدولة سيادة القانون أولاً وآخراً، ولمواطن فاعل مشارك في القرار سياسياً بواسطة أحزاب برامجية فاعلة، ووقف العبث الفكري حول أولوية الاقتصادي على السياسي فهما ملفان متكاملان.
على أبواب المئوية الثانية، فإننا نحمي “رقيقي الحال” برفعهم من “رقة حالهم” وليس في تكريسهم فيها، نحميهم بتهيئة الظروف لهم ليكونوا مواطنين منتجين مكتفين بعملهم وجهدهم، وهذا يحتاج إلى تكافؤ في الفرص في التعليم والصحة والمواصلات بسكة حديد من شمال المملكة إلى جنوبها، مما يسهم في فرص الدخول في القطاع الخاص، وكسر الاحتكارات، وتوزيع فرص التنمية على الجميع، على أمل أن تصبح برامجُ “مساعدة المواطنين” برامج وطنيةً ضمن مسؤولية الدولة، وليس منة منها، أو منة من محسنين، فاهم على جنابك ؟؟!!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock