ترجمات

كيف نحول دون نهوض “داعش” في 2022 وما بعده؟

عيدو ليفي* – (معهد واشنطن) 13/1/2022
يسعى تنظيم “داعش” وفروعه إلى استخدام حملات الحرب التقليدية كقاعدة وليس استثناء، ولذلك من الضروري أن تعزز الولايات المتحدة شراكاتها العسكرية في المنطقة لمواجهة ذلك.
يجب على أصحاب القرار أن يضعوا في اعتبارهم باستمرار أن تنظيم “داعش” وفروعه والمتطرفين الآخرين يسعون إلى استخدام حملات الحرب التقليدية كقاعدة وليس استثناء. وتستوجب أيديولوجيتهم احتلال الأراضي وإدارتها والدفاع عنها، كما حصل في أفغانستان والعراق وسورية واليمن وليبيا ونيجيريا والصومال وموزمبيق والفلبين وأماكن أخرى. وقد استخدموا أيضاً هذه المناطق كمنصات لشنّ هجمات إرهابية على الولايات المتحدة وأوروبا وغيرهما. ونظراً لاستعدادهم لإلحاق الضرر بالمدنيين والقتال حتى الموت، يستلزم إخراجهم من الأراضي بعد استيلائهم عليها جهوداً عسكرية شاقة يمكنها تدمير مدن بأكملها وقتل الآلاف وتشريد الملايين، كما سبق أن حدث مع تنظيم “داعش”.
* * *
في الشهر الماضي، أعلن الجيش الأميركي انتهاء مهمته القتالية في العراق وانتقاله إلى مهمة تقديم “المشورة والدعم والتمكين”. ومع ذلك، بينما ما تزال التساؤلات قائمة حول التزام إدارة بايدن بأمن حلفائها بعد الانسحاب الكارثي من أفغانستان، لم تسحب الولايات المتحدة حتى الآن أياً من جنودها البالغ عددهم 2.500 جندي المتمركزين في العراق. وفي الواقع، تشكل هذه القوات عنصراً رئيسياً من عناصر الأمن العراقي خلال الفترة المقبلة، كما يتجلى في تصريح الناطق العسكري العراقي، يحيى رسول، في 31 كانون الأول (ديسمبر)، الذي قال فيه إن بلاده ما تزال في حاجة إلى قوات التحالف لتساعدها على محاربة تنظيم “داعش”، “خاصة في مجالات القوة الجوية والدفاع الجوي وطيران الجيش ونظام الاستخبارات”.
وكما هو مفصل في دراسة أجراها مؤخراً كاتب هذا المقال لمعهد واشنطن تحت عنوان “جنود نهاية الزمان: تقييم الفعالية العسكرية لتنظيم الدولة الإسلامية”، كان دعم التحالف لقوات الأمن العراقية و”قوات سورية الديمقراطية” التي يقودها الأكراد حاسماً في تفكيك “خلافة” تنظيم “داعش”، ويظل أمراً حاسماً في الحيلولة دون نهوض التنظيم. وتنطوي الحرب ضد تنظيم “داعش” على دروس مهمة للجيش الأميركي حول الطريقة المثلى لمحاربة الجماعات الجهادية المتطرفة، والعمل “عبر ومع ومن خلال” الحلفاء الإقليميين.
إبقاء تنظيم “داعش” مقموعاً
أثبت تنظيم “داعش” أنه عدو يتمتع بقدرة مميزة على التكيف، ولذلك يستوجب التصدي له وللعناصر الجهادية المتطرفة الأخرى على المدى الطويل مضاهاة إبداعاته. وتتوفر أمام الولايات المتحدة خطوات كثيرة يمكنها اتخاذها لكي تبقى متفوقة على هذه التنظيمات.
تنمية ثقافة الابتكار: أظهر تنظيم “داعش” قدرة على الابتكار عالي المستوى، لكن التحالف كان بطيئاً في مواكبته. فقد بادر التنظيم إلى استخدام الطائرات الصغيرة من دون طيار على نطاق واسع كمنصات لحمل المتفجرات وجمع المعلومات الاستخبارية في الوقت الفعلي، وهي ممارسة تقتدي بها الولايات المتحدة والصين وروسيا وإيران وتركيا وغيرها. وبالمثل، استخدم التنظيم السيارات المفخخة بشكل مكثّف وغير متوقع في بعض مناطق القتال، بحيث تمكّن بذلك من التسبب بدمار كبير في صفوف القوات المدافعة. وتعود هذه الابتكارات إلى ثلاثة عوامل رئيسية، هي:
• الضرورة الإيديولوجية المروعة لتنظيم “داعش” لاحتلال مناطق شاسعة بسرعة، الأمر الذي استلزم استخدام قدرات عسكرية قوية
• الاقتضاء المتكرر لمحاربة الأعداء المتفوقين مادياً، الأمر الذي شجّعه على اعتماد تدابير مبتكرة غير متناسقة.
• استعداد تنظيم “داعش” لتكبّد خسائر كبيرة، ما أعطاه مجالاً أكبر لتجربة تكتيكات مثل التفجيرات الانتحارية.
تستطيع الولايات المتحدة والقوات الشريكة لها تعزيز تفكيرها الإبداعي وتكتيكاتها المبتكرة الخاصة بها من خلال استعمال التكنولوجيا المتقدمة بشكل أكبر. وعلى سبيل المثال، استخدمت قوات التحالف بانتظام الحرب الإلكترونية لدعم عمليات القوات العراقية و”قوات سورية الديمقراطية”، في حين ساعد الاستخدام المحدود لأجهزة التشويش التابعة للتحالف على التصدي للطائرات من دون طيار التابعة لتنظيم “داعش”. ولدى القوات الأميركية كل الأسباب لمواصلة دمج هذه القدرات في عمليات مكافحة الإرهاب. ولا تشكل هذه الجهود خطراً إضافياً يُذكر -إن وُجد أصلاً- على عناصر قوات التحالف، بل إنها تقوّي الشركاء وتمكّن القوات من استعمال تقنيات وتكتيكات جديدة. وقد تُثبت هذه النقطة الأخيرة فائدتها بشكل خاص في سياق بحث الولايات المتحدة عن طرق مبتكرة للتنافس مع الصين وروسيا، ناهيك عن ردع الجهات الفاعلة الخبيثة مثل إيران ووكلائها.
تعميق العلاقات مع الشركاء: ما يزال “جهاز مكافحة الإرهاب” العراقي شريك الولايات المتحدة الأكثر قوة وتحفيزاً ومرونة وتحملاً للمخاطر ضد تنظيم “داعش”. وقد سهلت العلاقة الطويلة والوثيقة التي جمعت بين هذا الجهاز وقوات العمليات الخاصة الأميركية تكيفه السريع، ولو أنه المضني، في الانتقال من مكافحة الإرهاب إلى الحرب التقليدية. ومع عودة تنظيم “داعش” إلى طابعه التمردي اليوم، استعاد “جهاز مكافحة الإرهاب” ببراعة دوره في مكافحة الإرهاب، ولكنه ما يزال يُستخدم بشكل مفرط، في حين يواجه الجيش العراقي صعوبات مستمرة. وقد ظهر نمط مشابه في سورية؛ حيث دعم التحالف تحول “قوات سورية الديمقراطية” إلى قوة قادرة على هزيمة تنظيم “داعش” في ساحة المعركة، ويستمر اليوم في تعزيز قدراتها في مجال مكافحة الإرهاب. وفي المرحلة المقبلة، يجب على الولايات المتحدة تعميق هذه العلاقات بهدف تطوير قدرات أقوى في مجال مكافحة الإرهاب.
الاستفادة من التقنيات الأبسط: على غرار تنظيم “داعش” الذي استخدم ما توفر من طائرات من دون طيار عادية ومركبات بسيطة في بعضٍ من أسلحته الأشد فتكاً، يمكن للتحالف أن يزود شركاءه بإمكانيات مماثلة منخفضة التكلفة. فالمروحيات الرباعية الأقل تطوراً تنتشر بشكل متزايد بين الجيوش المتقدمة، وقد تكون مفيدة ضد المتطرفين. كما أن المركبات الأرضية البسيطة التي يتم التحكم بها عن بُعد تحاكي تأثير التفجيرات الانتحارية أو تساعد على حماية القوات الصديقة منها. وتعد الأسلحة المصممة لمواجهة الطائرات من دون طيار والمركبات الخفيفة -مثل أجهزة التشويش والصواريخ التي تطلق من الكتف وأشعة الطاقة المدمِّرة- وسيلة أخرى قليلة التكلفة وسهلة الاستخدام لتعزيز استعداد الشركاء لتهديدات التنظيمات المتطرفة. وهذا صحيح بشكل خاص في الحالات التي لم تحصل فيها القوات بعد على أسلحة متطورة محلية أو تطوّر مثل هذه الأسلحة، كما هو الحال مع “قوات سورية الديمقراطية”.
تحسين عمليات المعلومات: نجح تنظيم “داعش” في استخدام جهاز إعلامي واسع النطاق لترهيب خصومه، وتحفيز حركة التجنيد، وتأجيج زخم أتباعه، وتقويض مصداقية التحالف. وفي معظم الأحيان، اتخذت الولايات المتحدة وشركاؤها موقفاً دفاعياً في مجال المعلومات، حيث كان تجاوبهم بطيئاً جداً ومن خلال آلية استجابة مضنية. وفي المقابل، أمدّ تنظيم “داعش” الكثير من أتباعه بسيل ثابت من المنشورات والمقالات ومقاطع الفيديو وغيرها من المواد على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تصوِّر قوات التحالف في الغالب على أنها ضعيفة وغير مهتمة بأرواح المدنيين. وبسبب قلة الردود المهمة من جانب التحالف، تمكن التنظيم من التحرك في فضاء المعلومات من دون أن يلقى أي معارضة تُذكر، وخاصة تضخيم مزاعمه عندما كان يحظى باهتمام وسائل الإعلام الرئيسية. وأدت هذه الجهود مجتمعةً إلى إعاقة عمليات التحالف ومخططاته، وحولت انتباهه في بعض الأحيان عن مواصلة الحرب إلى طمأنة مناصريه.
وهذا نقص خطير ينبغي على الولايات المتحدة العمل على تصحيحه إذا كانت تأمل في إبطال تهديدات المتطرفين في المستقبل. ومن الضروري تغيير الصلاحيات والإجراءات من أجل تبسيط الاتصالات، كما أن قوات التحالف تتطلب تخصيص المزيد من الخبراء المتمرسين في تشغيل وسائل الإعلام والقادرين على جمع المعلومات ومشاركتها في الوقت شبه الفعلي. وتكتسب هذه المهمة أهمية خاصةً الآن، حيث يواجه الجيش الأميركي تدقيقاً متزايداً من وسائل الإعلام المحلية على خلفية سلوكه في الحرب ضد تنظيم “داعش”.
محاربة المتطرفين “هناك”
لضمان الأمن “هنا”
يجب على أصحاب القرار أن يضعوا في اعتبارهم باستمرار أن المتطرفين يواصلون حملات الحرب التقليدية كقاعدة وليس كاستثناء. فأيديولوجيتهم تستوجب احتلال الأراضي وإدارتها والدفاع عنها، كما حصل في أفغانستان والعراق وسورية واليمن وليبيا ونيجيريا والصومال وموزمبيق والفلبين وأماكن أخرى. وقد استخدموا أيضاً هذه المناطق كمنصات لشن هجمات إرهابية على الولايات المتحدة وأوروبا وغيرهما. ونظراً لاستعدادهم لإلحاق الضرر بالمدنيين والقتال حتى الموت، يستلزم إخراجهم من الأراضي بعد استيلائهم عليها جهوداً عسكرية شاقة يمكنها تدمير مدن بأكملها وقتل الآلاف وتشريد الملايين، كما سبق أن حدث مع تنظيم “داعش”.
لذلك، فإن تعميق الشراكات العسكرية الأميركية في المنطقة أمر بالغ الأهمية، لأن المخططات الإمبريالية لتنظيم “داعش” لم تُظهر أي بوادر انحسار بعد سقوط الخلافة. على إدارة بايدن طمأنة الحلفاء بصوت عالٍ إلى أنها لا تنوي سحب أي قوات لها، خاصة بعد سيطرة “طالبان” على أفغانستان. وبالفعل، أصبحت أفغانستان اليوم بؤرة محتملة لنهوض تنظيم “داعش”، شأنها في ذلك شأن بضعة أجزاء من سورية: أي مراكز الاحتجاز، ومخيمات اللاجئين الخاضعة لسيطرة “قوات سورية الديمقراطية”، والأراضي التابعة لنظام الأسد في البادية السورية. وسوف يكون تخفيف الضغط العسكري الأميركي في مثل هذه المناطق كارثياً.
وأخيراً، يجب على الإدارة الأميركية أن تسلط الضوء علناً على فوائد الالتزامات الأميركية في الشرق الأوسط. فقد انتشرت فكرة وهمية نافعة عن انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة بشكل عام، وتأججت مع إنهاء مهمتها القتالية في العراق بشكل رمزي، ومراوغات الرئيس بايدن ومسؤولين آخرين التي ألمحت -خطأً- إلى أن أميركا لم تعد تملك قوات في سورية. بدلاً من ذلك، يجب على الإدارة الأميركية ألا تتردد في توضيح كيف أن التزاماً صغيراً -وهو جزء بسيط فقط من الانتشار الأميركي في أوروبا وشرق آسيا- أسهم في الحد من الإرهاب، ودعم حقوق الإنسان، وساعد على تخفيف المعاناة في الشرق الأوسط وحول العالم.
*عيدو ليفي: هو زميل مشارك في “برنامج الدراسات العسكرية والأمنية” في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، متخصص في العمليات العسكرية ومكافحة الإرهاب، لا سيما فيما يتعلق بالجماعات الجهادية.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock