اقتصادتحليل إقتصادي

كيف نستخدم حقوق السحب الخاصة؟

جيم أونيل؛ دومينيكو لومباردي*

لندن – تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الناتج المحلي الإجمالي العالمي سيتكبد في الفترة بين الآن ونهاية العام 2021، بسبب جائحة فيروس كورونا 2019 (كوفيد- 19)، خسارة تراكمية تتجاوز 9 تريليون دولار – وهو رقم أكبر من مجموع حجم الاقتصادين الياباني والألماني.
وفي حين أن الحل النهائي لهذه الأزمة يتوقف على تطوير ونشر التشخيصات والعلاجات، واللقاح في نهاية المطاف، على نطاق واسع، فقد ظهرت أيضا وفرة من المقترحات لاحتواء العواقب الاقتصادية المترتبة على الجائحة.
مع تدخل الحكومات على نطاق هائل، من المتوقع أن يرتفع الدين إلى مستويات غير مسبوقة في بعض البلدان. على سبيل المثال، من المتوقع أن ترتفع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في إيطاليا بنحو عشرين نقطة مئوية، لتتجاوز 155 % بحلول نهاية هذا العام. على نفس المنوال، ستشهد بلدان أخرى تضررت بشدة بسبب الجائحة، مثل فرنسا وإسبانيا، ارتفاعا كبيرا في نسب الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي. وسوف تجد العديد من البلدان النامية أنفسها في وضع أشد سوءا لأن المزيد من القيود ستفرض على قدرتها على الوصول إلى أسواق رأس المال الدولية. ولأن احتياطياتها من العملات الدولية محدودة، فسوف تكون أقل قدرة على شراء السلع والخدمات، بما في ذلك الإمدادات الطبية المنقذة للحياة.
وعلى هذا فقد تحولت المناقشة العالمية باتجاه مقترحات لإنشاء أو تعبئة موارد جديدة. فدعا بعض المعلقين إلى إصدار الأصل الاحتياطي التابع لصندوق النقد الدولي، أو حقوق السحب الخاصة، من أجل ضمان السيولة الدولية. ولتحقيق هذه الغاية تقترح صحيفة فاينانشال تايمز أنه من المناسب إصدار ما قيمته 1.37 تريليون دولار على الأقل. بقدر ما قد يبدو هذا الرقم ضخما، فإنه في حقيقة الأمر صغير مقارنة بالإجراءات غير التقليدية التي اتخذها بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي والبنك المركزي الأوروبي في الأسابيع الأخيرة، ناهيك عن مشتريات الأصول التي نفذتها البنوك المركزية في مجموعة السبع في شهر آذار (مارس) وحده.
تمثل حقوق السحب الخاصة مطالبة محتملة على عملات صندوق النقد الدولي القابلة للاستخدام ويجري تخصيصها للبلدان الأعضاء ذات السيادة من خلال وكلائها الماليين ــ البنوك المركزية عادة ــ كل بما يتناسب مع حصته في القاعدة الرأسمالية للمؤسسة. في حالة إيطاليا تبلغ حصة إيطاليا في قاعدة صندوق النقد الدولي الرأسمالية 3.17 %، وهذا يؤهلها للحصول على 43 مليار دولار من إصدار بقيمة 1.37 تريليون دولار. لتوضيح السياق، فإن هذا الرقم أعلى من الحصة من الموارد التي كانت آلية الاستقرار الأوروبية لتقرضها لإيطاليا من خلال برنامج إنقاذ رسمي.
على عكس ما كان متوقعا عند بداية إنشائها في العام 1969، لعبت حقوق السحب الخاصة دورا محدودا للغاية في النظام النقدي الدولي. في الإجمال، لم تستخدم حقوق السحب الخاصة إلا أربع مرات، وكان أحدثها في الاستجابة لأزمة 2008 المالية، عندما أصدر صندوق النقد الدولي ما يقرب من 250 مليار دولار من حقوق السحب الخاصة. نتيجة لهذا فإن حقوق السحب الخاصة لم تمثل في السنوات الأخيرة سوى 3 % من الاحتياطيات النقدية العالمية غير الذهبية.
لا يخلو الأمر من بعض الشكوك حول الكيفية التي قد يستخدم بها إصدار جديد من حقوق السحب الخاصة لتعبئة التمويل الإضافي وتضييق فجوة التمويل المتزايدة الاتساع التي أحدثتها الجائحة. ونحن نقترح مخططا بسيطا حيث تقوم كل دولة بتخزين المخصص لها كـ”حقوق ملكية” في أداة طوارئ، وبالتالي تجنب الاحتياج إلى تكديس صافي خصوم أعلى على ميزانية خزانتها. ومن خلال “حقوق الملكية” الممنوحة لهذه الأداة، يستطيع المقترض السيادي (الحكومة الإيطالية في مثالنا) أن يجتذب المزيد من رأس المال من خلال إصدار السندات.
إذا افترضنا نسبة رافعة مالية متحفظة للغاية، واحد إلى خمسة، فإن هذا من شأنه أن يزيد قدرة إيطاليا المالية الإجمالية من 43 مليار دولار إلى 215 مليار دولار ــ وهو رقم قريب من قدرة الإقراض بالكامل المخصصة لآلية الاستقرار الأوروبية لمكافحة الجائحة. علاوة على ذلك، لن تكون هذه القدرة الإضافية مرهونة بأشكال المشروطية المعتادة التي تفرضها جهات الإقراض المتعددة الأطراف على البلدان المقترضة.
من المؤكد أن المستثمرين في المناخ الحالي من عدم اليقين ربما يترددون في الاشتراك في إصدار هذه الأداة. ولكن في حالة بلد دمرته الجائحة مثل إيطاليا، من الممكن أن يتدخل البنك المركزي الأوروبي لشراء جزء لا بأس به من السندات.
ويمكن لدول منطقة اليورو أن تعمل على تجميع “أسهمها” من خلال إنشاء أداة مشتركة. وسوف يُـتَـرجَم هذا إلى تصنيف أعلى وتكلفة أقل للإصدار، في حين يعمل على تسهيل أي تدخل من قِـبَـل البنك المركزي الأوروبي لشراء السندات.
وقد تنفق دول أخرى تمتلك احتياطيات قوية، مثل الولايات المتحدة أو الصين، جزءا من مخصصاتها من حقوق السحب الخاصة على البقية. في واقع الأمر، ستقوم هذه البلدان بمبادلة حقوق السحب الخاصة باليورو، فتنشئ بالتالي وضعا مفتوحا بحقوق السحب الخاصة التي ستتحدد الفائدة عليها إلى أجل غير مسمى بأسعار سوق المال الحالية، وهي صِـفر تقريبا. الأفضل من هذا أن هذه البلدان ستستفيد فعليا من أسعار الفائدة المتراكمة على السند. ومن ثَـمّ فإن الاستثمار في التضامن من شأنه أن يحقق عوائد إيجابية من فارق غير ضئيل في أسعار الفائدة.
وقد تنجح آلية مماثلة أيضا في حالة البلدان النامية المتضررة بالجائحة، التي سيتدخل مانحوها للاشتراك في إصدار سندات من خلال أداة طوارئ. ومرة أخرى، ستكون الموارد المستخدمة لشراء هذه السندات إضافية لأي دائن أو دولة مانحة، لأنها ستأتي من تخصيص حقوق السحب الخاصة ذاتها. (بعبارة أخرى، لن يتم توليد هذه الموارد من خلال الضرائب المفروضة على مواطني أي دولة دائنة أو مانحة).
من المؤكد أن تخصيص حقوق السحب الخاصة يتطلب دعم ما لا يقل عن 85 % من عضوية صندوق النقد الدولي، وهذا يعني أن الولايات المتحدة، بحصتها البالغة 17.45 %، قادرة على استخدام حق النقض. ولكن لا يوجد سبب وجيه قد يدفع الولايات المتحدة إلى الرغبة في استخدامه. إن الجائحة تعمل على توليد انكماش غير مسبوق في الاقتصاد العالمي، ناهيك عن تكاليفها الهائلة المتمثلة في الخسائر البشرية. فضلا عن ذلك، لن يكلف أسلوبنا المقترح لنشر حقوق السحب الخاصة دافعي الضرائب الأميركيين أي شيء، ولن يشكل تحديا للمكانة الدولية التي يتمتع بها الدولار.
إن الاقتصاد العالمي المستقر الموفور الصحة يصب في مصلحة الولايات المتحدة الوطنية. وفي عام الانتخابات، يصب بشكل خاص في مصلحة قائد بعينه يشغل منصبه حاليا.

*جيم أونيل رئيس مجلس إدارة جولدمان ساكس لإدارة الأصول سابقا، ووزير خزانة المملكة المتحدة الأسبق، ويشغل حاليا منصب رئيس تشاثام هاوس. دومينيكو لومباردي مدير برنامج الاقتصاد العالمي الأسبق في مركز إبداع الحوكمة الدولية، ويشغل حاليا منصب الرئيس التنفيذي لمؤسسة Fintech Global الاستشارية.
*خاص بـ”الغد” بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock