ترجمات

كيف نستعد لمواجهة التهديد القادم؟

ريكاردو هوسمان*

كراكاس – إعصار، لكن خبراء الأرصاد الجوية مترددون حول ما إذا كان سيصل إلى اليابسة باعتباره إعصارًا من الفئة الثانية أو الفئة الخامسة. ما السيناريو الذي يجب أن تستعد له؟
تعكس المشكلة التي تواجهها تكاليف افتراض أنه إعصار من الفئة الخامسة بينما يكون مجرد إعصار من الفئة الثانية والعكس صحيح. من جهة، قد يتسبب السيناريو الأخير في إحداث خسائر في الأرواح ودمار يمكن تجنبهما من خلال عمليات الإجلاء والملاجئ المجهزة تجهيزًا جيدًا وتدابير الإغلاق الاحترازية. من جهة أخرى، ينطوي السيناريو الأول على تكاليف وقائية غير ضرورية. في حالة حدوث الأعاصير، نتفق جميعًا على أنه من المنطقي توخي الحذر لنفس السبب الذي يجعل الوصول إلى محطة القطار في وقت مبكر بخمس دقائق أفضل من الوصول متأخرًا بخمس دقائق.
يُسبب وباء كوفيد 19 إعصارًا اقتصاديًا في معظم البلدان الناشئة والنامية. من الواضح أنه إعصار من الفئة الخامسة، لكن المجتمع الدولي والعديد من الحكومات الوطنية استعدوا لمواجهة عاصفة استوائية. بعبارة أخرى، قد تتسبب هذه التدابير في مشاكل أكبر.
لم يكن الوباء خطيرًا في البداية. على الصعيد الوبائي، يزعم البعض أن العالم قد تصرف على نحو مُتسرع: فرضت أكثر من 80 دولة عمليات الإغلاق بين 9 مارس/ آذار و 2 أبريل/ نيسان – اتخذت بعض هذه الدول، مثل السلفادور، إجراءات مماثلة قبل أن تُسجل أول حالة إصابة مؤكدة. كانت الإستراتيجية، وفقًا لخبير الفيروسات العالمي المهندس توماس بويو، تتمثل في ضرب الفيروس التاجي بـ “المطرقة” (الإغلاق) ثم التعايش معه من خلال اعتماد سياسات أقل صرامة بكثير يمكن أن تحتوي انتشاره مع السماح بالعودة إلى الحياة شبه الطبيعية.
نجحت هذه الإستراتيجية بشكل ملحوظ في الحد من تفشي المرض في بلدان مختلفة مثل ألبانيا والأردن وإسرائيل ولبنان وتونس وكوستاريكا وبليز وأوروغواي وتايلاند وناميبيا – حيث أصبحت هذه الإستراتيجية القائمة على الفحوصات الطبية واسعة النطاق وأضحى ترصد جهات الاتصال عملي وفعال. لكنها لم تمنع الارتفاع الهائل في معدل الإصابات في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة التي عرفت رد فعل بطيء جدا. إن تراجع دعم استمرار عمليات الإغلاق يعني أن هذه البلدان تحاول إعادة فتح أبوابها مع ظهور العديد من حالات الإصابة المُؤكدة الجديدة.
علاوة على ذلك، فشلت عمليات الإغلاق في إيقاف النمو المُطرد لحالات الإصابة والوفيات في دول مثل الهند وروسيا والأرجنتين وشيلي والمكسيك وبيرو والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر وعمان وجنوب إفريقيا وجيبوتي. توجد هذه البلدان الآن في مأزق كبير: لا يمكن إعادة فتح أبوابها بأمان، كما لا يمكنها الاستمرار في فرض عمليات الإغلاق لفترة أطول.
بعيدًا عن فعاليتها الوبائية المُتباينة، كانت عمليات الإغلاق مدمرة اقتصاديًا. تُعاني الاقتصادات المتقدمة بالفعل من تحديات هائلة: تواجه المملكة المتحدة أسوأ ركود لها منذ عام 1706، ومنذ مارس/ آذار الماضي، تقدم 36 مليون أميركي بطلبات لتلقي إعانات البطالة. علاوة على ذلك، فقد 25 ٪ من العمال في ليما (بيرو) وظائفهم، ولا يمكنهم الاعتماد على حكومتهم للحصول على المساعدة لأنها لا تستطيع الاقتراض على نطاق الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. ستُعاني الاقتصادات الناشئة والنامية حول العالم من انكماش اقتصادي بنسبة 20-40 ٪ في الربع الثاني، مع تراجع مزدوج في هذا العام. تخشى هذه الاقتصادات والمنظمات الدولية الإعلان عن مثل هذه التوقعات لأنها قد تتسبب بذلك في نشر حالة من الذعر في الأسواق وجعل الأمور أسوأ.
هناك المزيد من الأخبار السيئة: لن تكون فترة ما بعد الإغلاق فترة انتعاش قوية، لأن الأنشطة الاقتصادية ستظل مقيدة بشدة بسبب الحاجة إلى احتواء انتشار فيروس كورونا المُستجد. على سبيل المثال، تسبب سائقو الشاحنات القادمون من دول مجاورة في تفشي المرض في دول مثل الأردن وناميبيا، والتي كانت ناجحة للغاية في الحد من انتشار الفيروس التاجي الجديد، مما دفع إلى اتخاذ المزيد من التدابير الصارمة.
لن ينتعش السفر والسياحة على الأقل حتى يُصبح اللقاح مُتاحًا على نطاق واسع. تدرك الشركات الآن أن العمل بموجب بروتوكولات التباعد الاجتماعي أكثر صعوبة مما كانت تتوقع. بالإضافة إلى تدفق رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، تشهد وكالات التصنيف الائتماني تراجعًا غير مسبوق.
ونتيجة لذلك، سيكون لدى معظم الاقتصادات الناشئة والنامية احتياجات مالية يصعب تلبيتها. أولاً وقبل كل شيء، تحتاج إلى المساعدات المالية على الأقل لتمويل الانهيارات الضخمة في العائدات الضريبية الناجمة عن عجز الاقتصاد، فضلا عن تقديم يد المساعدة للمستشفيات والأسر والشركات، كما هو الحال في البلدان المتقدمة.
لن تتمكن هذه الاقتصادات من الحصول على الموارد المالية اللازمة محليًاً، لأن جميع القطاعات في البلاد تُعاني إثر انتشار الوباء. هناك حاجة ماسة إلى التمويل الخارجي واسع النطاق. في الماضي، أدت الصدمات الاقتصادية الصُغرى إلى ثلاث أزمات: العملة والديون والبنوك. في ذلك الوقت، لم يستغرق الانتعاش عامًا فقط، بل عقدًا من الزمان.
كل هذا ينضاف إلى أسوأ أزمة مالية واجهتها مؤسسات بريتون وودز على الإطلاق في تاريخها الذي دام 76 عامًا. كانت استجابتها حتى الآن سريعة بشكل استثنائي لكنها غير كافية. تتمنى لو كان بإمكانها القيام بالمزيد، لكن القواعد الحالية ومعايير التمويل غير كافية لتنفيذ هذه المهمة.
على سبيل المثال، يمنح صندوق النقد الدولي البلدان قروضًا تعادل 100 ٪ من الحصة من خلال أداة التمويل السريع – وهو رقم محدد بالمعادلة يضيف عادة أقل من 1 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي للبلد. إذا كان الرقم 800 ٪ من الحصة، وتم صرف هذا المبلغ في الـ 18 شهرًا القادمة، فسيُحدث ذلك فرقًا واضحًا.
إن ميزانية البنك الدولي غير كافية على الإطلاق، كما تُواجه بنوك التنمية الإقليمية تحديات مماثلة. يجب إعادة رسملة هذه البنوك بسرعة، ولكن من غير المحتمل أن يحدث ذلك، لأن بنوك التنمية أصبحت مجالًا آخر للمنافسة بين الولايات المتحدة والصين.
بالإضافة إلى ذلك، كما قُلت سابقًا، يجب على بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي والبنك المركزي الأوروبي إدراج سندات الأسواق الناشئة في برامج شراء الأصول. اقترح ماوريسيو كارديناس، وزير المالية الكولومبي السابق، خطة من شأنها أن تجعل هذا الأمر أكثر ملاءمة من خلال تجميع مخاطر الائتمان.
من ناحية أخرى، تُطالب هذه الأزمة العديد من البلدان بإعادة هيكلة ديونها قبل الجائحة لجعل الطلبات على الدخل المستقبلي تتماشى مع التوقعات السيئة بشكل غير متوقع. أوضحت كارمن م. رينهارت من جامعة هارفارد – الذي تم تعيينها مؤخرًا نائبة جديدة للرئيس وكبيرة الخبراء الاقتصاديين بالبنك الدولي – والمؤلفون المشاركون مدى طول وتعقيد عمليات إعادة الهيكلة في الماضي. ربما كان ذلك متعمدًا، لثني المقترضين عن إساءة استخدام خيار إعادة الهيكلة. ستتم خدمة العالم الآن بشكل أفضل من خلال آلية أكثر كفاءة وسرعة، مثل آلية إعادة هيكلة الديون السيادية التي اقترحتها آن أو. كروجر، أول نائبة للمدير الإداري لصندوق النقد الدولي آنذاك، في أوائل العقد الأول من القرن الحالي، قبل أن تتخذ وزارة الخزانة الأميركية قرارًا بإلغاء الخطة.
بالنسبة للبشرية، حان وقت لحظة القيام “بكل ما يلزم”. إن التعامل مع الأزمة الحالية على أنها لحظة القيام “بكل ما يجعلنا نبدو جيدين بما فيه الكفاية” سيكون خطأً من الفئة الخامسة.

  • ريكاردو هوسمان هو وزير التخطيط السابق في فنزويلا وكبير الخبراء الاقتصاديين السابق في بنك التنمية للبلدان الأمريكية، وأستاذ بكلية جون إف كينيدي الحكومية بجامعة هارفارد ومدير مختبر هارفارد للنمو.
  • خاص بـ”الغد” بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock