اقتصادتحليل إقتصادي

كيف نسخر الثورة الرقمية لتحسين الأنظمة الغذائية؟ (2 – 2)

جوليان لامبييتي، وغادة العابد، وكاترينا شرودر

في أعقاب جائحة كورونا، قامت العديد من السلطات المحلية وشركات التشغيل الخاصة بتعجيل وتيرة الانتقال إلى المنصات الرقمية لربط المنتجين والمستهلكين المكبلين بالإغلاق الاقتصادي: ففي ولاية كانساس الأميركية، ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي في الربط بين مربّي الماشية والمستهلكين الذين يبحثون عن لحم بقري عالي الجودة بعد أن أفرغ فيروس كورونا أرفف المتاجر المحلية من اللحوم.
وفي الهند، شرعت جمعية أوديشا للتنمية الريفية والتسويق في إنشاء نظام تسليم الخضراوات حتى عتبة الباب من قِبَل جمعيات المنتجين، باستخدام آلات الدفع الرقمي، وآلات الوزن الإلكترونية. ومن خلال العمل في شراكة مع أوديشا لايفلي هوودز ميشن وميشن شاكتي في أوديشا، وبعثة شاكتي، والمنظمات غير الحكومية الشريكة ومسؤولين محليين ، بادرت الجمعية بوضع نموذج للتوصيل، واستصدرت تصاريح مرور من الشرطة لنقل الخضروات، الأمر الذي منح المزيد من الناس إمكانية الحصول على الخضروات الطازجة وحماية موارد الرزق للمزارعين في الوقت ذاته.
وفي كينيا، أعطت الجائحة دفعة قوية للشركات التي كانت قد سلكت بالفعل طريق التحول إلى التكنولوجيا الرقمية. فعلى سبيل المثال، أطلقت في العام 2014، تويغا للمواد الغذائية، منصة للتجارة الرقمية بين الشركات تعتمد على الهاتف المحمول وتعمل على التوفيق بين العرض والطلب على الفواكه والخضراوات على نطاق صغير، لتخفض بذلك مستويات من الوسطاء، وبالتالي تقضي على الفاقد وتخفض أسعار المواد الغذائية على المستهلك النهائي في السوق. وتستخدم الشركة، وهي من الجهات المتعاملة مع مؤسسة التمويل الدولية، نفس التكنولوجيا لتسهيل حصول المستهلكين على المواد الغذائية أثناء الجائحة.
ورغم أن هذه الحلول الرقمية تعطي بصيصًا من الأمل وسط قصص انهيار سلاسل التوريد أثناء جائحة كورونا، فما مدى قوة نموذجها على المدى الطويل؟
من المهم عند استشراف المستقبل الحرص بشدة على مراعاة تحقيق التوازن بين المصالح الخاصة والعامة عند إلغاء تركيز المنصات في النظام الغذائي. وهذا ليس بالقضية الجديدة – ولنتأمل في هذا الصدد الأسواق التقليدية للمزارعين أو للمواد الغذائية بالجملة. فكلاهما يوفر منصات مادية يتعامل فيها المنتجون والمستهلكون. فما الذي سيتطلبه توسيع نطاق ذلك وتحويل العملية برمتها إلى عملية افتراضية؟ سيزيد عدد الأسواق، مما يتيح أمام المنتجين والمستهلكين خيارات أكثر، وكذلك الكفاءة من خلال خفض التكلفة. ولننظر إلى مزادات الماشية، حيث يستعاض عن المبادلات المادية التقليدية بكاميرات مثبتة في المزارع وشاشات داخلية لتيسير زيادة المشاركة في السوق وتوفير التكلفة اللوجستية والخاصة بالرعاية الصحية البيطرية. وفي الوقت نفسه، من شأن زيادة تدفق المعلومات عن كل عملية وعميل على طول سلسلة القيمة الغذائية الزراعية، مدعومًا بإمكانية التحقق الرقمي، أن ييسر التصديق على مدى جدارة الوكيل الاقتصادي بالثقة، وتعزيز الثقة في المعاملات. ولن يحتاج توسيع نطاق النظام الغذائي من خلال المنصات الرقمية إلى كثير من الجهد ما دام هناك دراسة متأنية للتأثير الاقتصادي والمجتمعي.
ويتلخص دور السياسات العامة في منع تراكم النفوذ السوقي من خلال المنصات الرقمية. ومن غير الواضح حاليًا ما إذا كانت المنصات الرقمية تعمل على خلق أوجه نفوذ سوقي جديدة شديدة التركيز لصالح الشركات القائمة أم أن المنافسة الشفافة تتيح التوزيع العادل للقيمة.
فمن ناحية، هناك عوامل عديدة تسهم في زيادة تركيز أسواق المنصات الرقمية مثل وفورات الحجم وتكلفة التحول وآثار الشبكات. ولنتأمل هنا شركتي علي بابا أو أمازون، وهما شركتان حققتا نموًا مضطردًا في العقد الماضي، وتخلقان سوقًا يتعامل فيها المستهلكون والمنتجون في جميع أنحاء العالم. ومن ناحية أخرى، تؤكد الخبيرة الاقتصادية باربرا إنغلز أن المنصات الرقمية تدعم المنافسة. وتقول إن نطاقات المنتجات (مثل بيع أصناف التفاح من قبل منتجين مختلفين) تتيح ظروفا تنافسية وأن ظروف سوق المنصات تتعرض للتغيير الجذري بشكل منتظم بفعل الابتكارات (فالأصناف الجديدة من التفاح تحل محل الأنواع القائمة مع توسع انتشار السوق) وبالتالي فهي أقل عُرضة لتراكم نفوذ السوق مثل آليات المبادلة التقليدية. ولم يثبت ذلك بالنسبة لسلسلة القيمة الغذائية، وهو ما يعطي مبررا لإجراء المزيد من الأبحاث في هذا الشأن.

التوصية الثانية: اللامركزية في قابلية التعقب
وقد طرحنا في الجزء السابق التوصية الأولى بعنوان “القضاء على تركيز الأسواق وسلاسل التوريد”، وأشرنا إلى التناقض بين الفائض الغذائي في المزارع ونقص الغذاء في أسواق التجزئة أثناء عمليات الإغلاق الناجمة عن جائحة كورونا.
وكما هي الحال مع الأمراض الحيوانية السابقة مثل الإيدز، وفيروس غرب النيل، كان فيروس كورونا المستجد سببًا في إبراز الروابط القوية بين صحة الحيوان وصحة الإنسان وصحة كوكب الأرض، والدور المهم الذي تلعبه الأنشطة البشرية عندما تجعل البشر على اتصال وثيق بالحياة البرية. وكان سوء إدارة الماشية، ومناولة الأغذية بطريقة غير مأمونة، وتدهور النظم الإيكولوجية، والتعدي على موائل الحياة البرية، سببًا وراء تزايد عدد الأمراض والمرضى.
ومن شأن تتبع المواد الغذائية على طول سلسلة التوريد، بطريقة لامركزية أن يخلق فرصًا للحصول على غذاء أكثر أمانًا واستدامة. ومن المهم الاستعانة بمصادر أكثر أمنًا للغذاء، حيث يقع نحو 600 مليون شخص فريسة للمرض من جراء تناول الطعام الملوث في كل عام، الأمر الذي يكلف البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط 110 مليارات دولار من الخسائر في الإنتاجية والنفقات الطبية سنويًا. وتتيح معرفة مصدر الغذاء وكيفية إنتاجه للمستهلكين اتخاذ قرارات أكثر استنارة بشأن تأثير الغذاء الذي يستهلكونه على صحتهم وصحة الكوكب. كما إن المواد الغذائية المستمدة من مصادر أكثر استدامة تحقق زيادة سعرية، يدفعها المستهلكون المتمتعون بوعي بيئي وصحي ولديهم القدرة على تحمل تكاليفها. وهذه المؤشرات السعرية، إذا ما انتقلت إلى مختلف الأطراف على طول سلسلة القيمة، من الممكن أن تحفز بدورها على اتباع ممارسات الإنتاج المستدامة.
ولننظر في حالة أوروجواي، حيث ارتفع نمو صادرات لحوم الأبقار بمتوسط قدره 700 % بين عامي 2001 و2018. وأدى ارتفاع الدخول والتغير في التفضيلات إلى إذكاء الطلب الشديد على لحوم الأبقار ذات المنشأ المعتمد الذي يعني تمتعها بجودة عالية. وقد تمكنت أوروجواي من إشباع هذا النهم للمنتجات الممتازة بفضل حكومة تتمتع ببصيرة مكنتها من الاستجابة لوباء مرض الحمى القلاعية في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين من خلال تحسين ممارسات إدارة الثروة الحيوانية وإنشاء نظام معلومات رقمي لمعلومات الثروة الحيوانية مجاني لجميع المستخدمين.
والأمر بالغ الأهمية في نجاح هذا النظام على المدى الطويل هو التصميم اللامركزي للسجل العام الموزع، مما يعني أن أي شخص يتمكن من الوصول إلى النظام واستخدام البيانات، والحد من تضارب المعلومات، وزيادة المنافسة على مختلف المستويات، وزيادة القدرة على مواجهة الاحتيال وتزييف المعلومات. ويعين النظام المستخدم في أوروغواي بتعيين رمز تعريف لكل حيوان، مما يتيح لك معرفة كيفية معاملته وموقعه على سلسلة الإنتاج آنيًا. ويتم تعقب المعلومات عن الأبقار الفردية من المزرعة وحتى الشحن على متن السفينة، بما في ذلك رحلات سفرها وعلفها وأدويتها والزيادة في وزنها، من جملة مؤشرات أخرى. ويمكن للمستخدمين غير المسجلين في النظام مشاهدة خرائط للمشغلين المستخدمين للنظام وتحديد كل رأس من الماشية حسب القسم.
وبإمكان تقنيات السجلات العامة الموزعة المفتوحة للاطلاع تحقيق تحول في سلاسل التوريد الغذائية، وموقع أخذ بصمات الأصابع، ورفاهة الحيوان، والمدخلات البيئية والاجتماعية، والعقود، والتصنيع، والعديد من المجالات الرئيسية الأخرى. ونظرًا لتعقد النظام الغذائي، بالإضافة إلى المسائل التقنية المرتبطة بقابلية التوسع والخصوصية وبنية البيانات، فلا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال ضمان قابلة التشغيل البيني الكامل لإمكانية التتبع (أي إمكانية تواصل مختلف الأجزاء بعضها مع بعض) وأن يكون هناك نظام إدارة يمنع التسابق نحو تركيز النفوذ السوقي. ومن شأن لامركزية إمكانية التتبع على طول سلسلة التوريد أن يحسن من محفزات إنتاج الغذاء واستهلاكه على نحو آمن عالي الجودة مع الالتزام بالمسؤولية الاجتماعية والبيئية.

التوصية الثالثة: نشر البيانات المفتوحة
فكر في تأثير نشر التسلسل الجيني لفيروس كورونا، حيث يقوم القطاع العام والخاص حاليًا بتطوير أكثر من 150 لقاحًا محتملًا ، ويستخدم البعض تقنيات تقليدية ويستخدم البعض الآخر تقنيات غير مؤكدة. ويعد نشر البيانات المفتوحة على مستوى النظام الغذائي المعقد ضروريا أيضا لمعالجة تضارب المعلومات، وتشجيع الابتكار، وزيادة كفاءة الإنفاق العام.
فقد بدأت كينيا، على سبيل المثال، تشهد طفرة في التطبيقات التي تستفيد من البيانات المفتوحة التي يجري تشجيعها في إطار مبادرة كينيا للبيانات المفتوحة. وفي ظل الانشغال الزائد بالزراعة باعتبارها ركيزة للاقتصاد والأمن الغذائي، قررت الحكومة في العام 2011 إتاحة البيانات الأساسية التنموية والديموغرافية والإحصائية والمتعلقة بالنفقات في شكل رقمي يفيد الباحثين والشركات الخاصة وجهات تطوير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والجمهور العام. ويقدم الموقع الإلكتروني opendata.go.ke للجمهور ما يقرب من 942 مجموعة بيانات. واليوم، تقود كينيا أفريقيا في ميدان التكنولوجيا الزراعية، بفضل نظام رقمي هو الأعلى تصنيفًا، فضلًا عن 30 % من التقنيات الزراعية المغيرة لقواعد اللعبة في هذه القارة. ويعد تأثير التكنولوجيا الإبداعية مثل نظام تحديد المواقع العالمي الذي طورته وزارة الدفاع الأمريكية لمساعدة القوات العسكرية، ويوزع الآن مجانًا، مثالًا آخر للبيانات المفتوحة التي تحقق تأثيرات إيجابية كبيرة في كل شيء من الزراعة الدقيقة التي تسمح للمزارعين بأن يضعوا الكميات المناسبة المحددة من السماد في الموضع المناسب، إلى المراجعات النقدية التي تسمح للسائحين ومحبي الطعام بتحديد مواقع المطاعم في غضون دقائق.
كما تَعِد البيانات المفتوحة بتعزيز كفاءة دعم القطاع العام للنظام الغذائي، في وقت يستثمر فيه نصف تريليون دولار سنويًا في بلدان تتبعها منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي. وتتيح البيانات المفتوحة تقاسم البيانات بين مختلف الوكالات العامة، وتحسين أداء العمليات العامة وزيادة كفاءة الخدمات العامة.
وفي عام 2020، من المتوقع أن يوفر الاتحاد الأوروبي 1.7 مليار يورو من تكاليف الإدارة العامة بفضل استخدام البيانات المفتوحة. وتشجع البيانات المفتوحة على تقديم الخدمات بطريقة مبتكرة، حيث يمكن للمنظمات غير الحكومية والوكالات العامة استخدام البيانات المفتوحة في إعداد تطبيقات جديدة للهاتف المحمول لخدمة السكان بشكل أفضل. وتساعد البيانات الواردة من المزارعين على تتبع تنفيذ مختلف التدابير مثل خطط الإنتاج المستدام واستخدام الأراضي. ومن الممكن أن تساعد البيانات التي يبلغ عنها المستهلك السلطات في تحديد قضايا سلامة الغذاء في وقت أقرب إلى الآني.
وتنص العديد من السياسات القائمة، وخاصة في أوروبا منذ عام 2003، على أن بيانات القطاع العام ــ أو البيانات ذات النفع العام ــ يجب أن تكون مفتوحة وقابلة لإعادة الاستخدام. ولكن العديد من المخاطر المرتبطة بالبيانات قد تمنع التقنيات الرقمية من أن تفي بوعدها: عدم اليقين بشأن حماية البيانات والملكية والأمن وإمكانية الوصول والرقابة ومسائل الشفافية والمصادقة والمسؤولية والاختلال في سلاسل القيمة.
ومن الممكن أن تعمل السياسات العامة على تحسين حماية البيانات وتوضيح ملكية البيانات، ومعالجة ممارسات البيانات غير العادلة في السياسات الزراعية، والحد من اختلالات سلسلة القيمة وما يتصل بها من تضارب المعلومات. ويمكنها أيضا أن تعزز تبادل البيانات من جانب القطاع الخاص عندما تكون مهمة للصالح العام، وترصد وتزيد من أثر البيانات العامة، وتحسن حوكمة تبادل البيانات.
لقد ضربت جائحة فيروس كورونا أغلب بلدان العالم في أوائل العام 2020، في وقت كان فيه النظام الغذائي متأخرا بالفعل عن تصحيح رئيسي في مساره لتحسين النتائج الغذائية والبيئية، والإسراع بالحد من الفقر.
ومن خلال التعجيل بالتحول إلى التقنيات الرقمية، فإن إجراءات الإغلاق قد تنتج عوامل مواتية على نحو غير متوقع وتجلب تغييرا مرحبا به. وهذه دعوة إلى جميع الأطراف المعنية الآن للتأكد من أن بيئة السياسات العامة تفضي إلى حلول رقمية تقربنا من تحقيق أهداف التنمية المستدامة عن طريق تفضيل القضاء على التركيز، واللامركزية في قابلية التعقب، ونشر البيانات المفتوحة.
وإذا نجحنا، فسوف نتمكن من الاستفادة من الطاقة الإبداعية والابتكار والاحتياجات اليومية لنحو من 7.7 مليار نسمة، من المزارعين ورجال الأعمال والمستهلكين الذين يشكلون النظام الغذائي العالمي، في تحويل المسار نحو مستقبل أكثر استدامة. – (البنك الدولي)

انتخابات 2020
28 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock