أفكار ومواقف

كيف نقيس رأس المال البشري؟

ما تقدمه الحكومة في يوتيوب ومنصات الإنترنت لا يصلح للجدل حول رأسمالنا البشري ومرجح أيضا أنه لا يفيد التخطيط في شيء، كما لا تفيد أيضا الدورات والوظائف المسماة “إبداعية” في بناء الموارد والمهارات المتوقعة للأعمال والأسواق الجديدة والمتحولة إضافة إلى التقليدية بالطبع، فلسوء الحظ فإن بناء الإبداع ورأس المال البشري والمهارات المعرفية هي عمليات طويلة متراكمة ومملة وقاسية، ولا يمكن تحصيلها في دورات سريعة ومسلية، بل هي ليست مهارة محددة لكنها روح عامة يؤشر إليها بالقدرة الإنتاجية والمعرفية والإضافة الممكنة للموارد والأعمال، هكذا فإن الإبداع يكون محصلة لعمليات طويلة من التفكير الحر والنقدي الذي يمارسه التلاميذ وجميع الناس في حياتهم وأعمالهم، وفي مهارات وعلوم تبدو غير مباشرة لكنها تطلق الخيال المؤسس للإبداع؛ مثل الكتابة والشعر والموسيقا والفلسفة والفنون التشكيلية والنحت والمسرح والتصوير والتصميم والسينما، ومهارات الحياة والاستماع والتعلّم المستمر.
وتقاس نوعية التعليم بمؤشرات قياسية أعدتها المنظمات الدولية ومستمدة من اختبارات للتحصيل العلمي والمعرفي للطلاب، ويلاحظ البنك الدولي أن أقل من نصف الطلاب في البلدان النامية يتمتعون بالمعيار القياسي لكفاءة التعليم والتحصيل المعرفي، في حين أن 98 في المائة من الطلاب في سنغافورة يتمتعون بالمهارات العلمية والمعرفية القياسية! وهذا يعني أساسا أن جميع طلاب المدارس الثانوية في سنغافورة على استعداد لمرحلة ما بعد التعليم الثانوي وعالم العمل، في حين أن ما يقرب من ثلاثة أرباع الشباب في الدول النامية غير مؤهلين للعمل ولا للجامعات!
والمؤشر الرئيسي الثالث (بعد كفاءة التعليم والإبداع) للإنتاجية والعمل هو الصحة، لأنه وببساطة لا يصلح للعمل إلا من يتمتع بصحة جيدة، لكن الصحة ترتبط مؤشراتها بمجموعة واسعة ومعقدة من المكونات الاقتصادية والاجتماعية، مثل الفقر والتغذية والسلوك الاجتماعي والحياتي تجاه السلامة والنظافة، كما تؤثر البيئة والأنشطة الاقتصادية الصناعية والتجارية واتجاهات البناء والعمارة وتخطيط المدن والفضاءات على صحة المواطنين وسلامتهم، إضافة بالطبع إلى الخدمات والأعمال الصحية المباشرة، مثل التطعيم ضد الأمراض، وتوفير الأطباء والممرضين والمستشفيات والمراكز الصحية والأجهزة والتقنيات الطبية، والتدريب الفني والتوعية الصحية، وتجنب المخاطر الصحية. ومن المؤشرات القرائية التي يستدل بها على الحالة الصحية: العمر المتوقع ومعدلات الوفاة بين الأطفال، وحالات التقزم وسوء التغذية لدى الأطفال والبالغين.
هكذا فإن المسؤولية الوطنية للحكومات والمجتمعات والمنظمات لأجل رأس المال البشري تتلخص في بيئة تعليمية وصحية واجتماعية متقدمة، وسوف يكون التقدم العملي والإنتاجي والإبداعي محصلة طبيعية وشبه تلقائية لهذه البيئة، وهكذا أيضا يمكن تقدير النمو الاقتصادي والدخل وقراءة مستقبلنا ومستقبل أطفالنا في عالم قادم يعتمد على التعليم المتقدم والإبداع، وتتداخل أسواقه حتى تكاد تكون سوقا واحدة، فلا يعود مجال لغير الأقوياء للمشاركة الاقتصادية حتى في بلادهم.
وفي مستوى مواز من العمل والتخطيط تؤثر في بناء رأس المال البشري الحريات والمساواة وعدالة التوزيع والعدالة الاجتماعية؛ إذ من شأن هذه السياسات أن تطلق الإبداع والروح الإيجابية للمبادرة والعمل والانتماء والمشاركة، كما تساعد المخططين على اكتشاف المواهب والكفاءات، وعندما يتقدم أبناء الفقراء في حياتهم وأعمالهم فإن مكتسباتهم تعود أيضا على مجتمعاتهم وأسرهم فتنشأ متوالية من التقدم والازدهار.
إن معظم ما نراه اليوم في بلادنا للتنمية والاستثمار وبناء رأس المال البشري يصب في خانة “العليق عند الغارة”، ولا شك أنه سيكون قليل الأثر وهدرا للوقت والموارد، فلا مناص من العمل الدؤوب وطويل المدى!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock