أفكار ومواقف

كيف نكتشف جوانب التخلف المظلمة؟

موفق ملكاوي

هناك جوانب عديدة تكشف مدى التقدم والمدنية في أي مجتمع، بينما يؤشر غيابها إلى عكس ذلك تماما، كالبنية التحتية، والالتزام بالقانون، وإشاعة الحريات، ومستوى التعليم، وغياب التمييز والعدالة، وغيرها من الأمور المحسوسة التي يسهل رصدها.

لكن، هناك جوانب غير مادية، وهي قادرة على إعطاء صبغة مميزة لأي مجتمع، غير أن رصدها يحتاج جهدا مضاعفا، وتحليلا حصيفا من الخبراء، وتأتي على رأسها النقاشات الدائرة، والجدل الذي يأخذ المساحة الأكبر في الفضاء العام.

الجدل يؤشر إلى مستوى المعرفة، ومستوى تطور المجتمع في مناقشة احتياجاته، وكلما ابتعدت تلك الاحتياجات عن هرم «ماسلو» في رصده للأساسيات، كانت مؤشرات المعرفة أكثر نضوجا في المجتمع، فيكون أكثر بعدا عن التأطير تحت تأشيرات الاحتياحات البدائية التي يطلبها كل إنسان، بل يؤسس لفهم خاص بالكون وتشابك علاقاته، ولما يمكن تسميته بعمليات التفكير العليا.

في هذا الإطار، نستطيع اليوم رصد طبيعة الحوارات القائمة في الفضاء العام من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، ففي حين تختار النخب مساحات خاصة للنقاش تتمثل في الغرف الإلكترونية المغلقة، يلجأ العوام إلى المساحات المفتوحة أمام الجميع لطرح أفكارهم ورؤاهم، في عملية لا يمكن تسميتها «حوارا» في أي حال من الأحوال، بل استعراضا للجهل والأمية والتعصب وانغلاق الفكر.

هؤلاء يقودون «حلبة سيرك» هزلية، وليس حوارا يستهدف الوصول لنتيحة ما قد يتنازلون فيها عن أفكارهم وانحيازاتهم لمصلحلة الحقيقة. فالحقيقة في نظرهم هي حدود فكرهم الهزيل، وما يمكن أن ينتج عنه من متواليات التخلف والتعصب وانهيار السياق المعرفي، واحتكام لعقلية القطيع المتوارثة والمتأصلة في البنيان الفكري المجتمعي.

هؤلاء في الغالب غير مختصين، ولا يمتلكون الثقافة ولا المعرفة اللازمتين لإجراء الحوارات التي يتنطحون لإثارتها أو المشاركة فيها. لكن المحزن هو قدرتهم الكبيرة على الاستقطاب، وعلى «حصد الإعجابات»، والتعليقات والمشاركات السلبية في نقاشاتهم، ما يؤشر على حجم الخلل في التفكير المنطقي العام، وفي القدرة على التمييز بين العميق والسطحي من الأفكار.

مشكلة هذا الفضاء الإلكتروني هي أنه ليس منتخبا، بل يستطيع أي شخص المشاركة فيه، وإبداء الرأي في أي قضية كانت، ما يؤدي إلى نزع العمق عن أي نقاش. كما أنه يعتمد على «نظرية الفقاعة»، فغالبية الموضوعات تثار لفترة زمنية محدودة، وسرعان ما تنتهي بالسرعة نفسها التي بدأت بها. وثالثا أنه يقبع تحت نظرية «انهيار السياق»، ما يعني أن المتلقي يتأثر بالتعليقات على الإدراج الأصلي، مهما ابتعدت تلك التعليقات عن أساس الموضوع، ومهما اشتطت في تفسيراتها المتطرفة له.

في فضاء مريض مثل هذا، يسود التخوين والتكفير والاتهامية بأصنافها، وتزدهر الاستقطابات على أسس بدائية وإقليمية وجهوية وطائفية، ويتم حشد التأييد للأفكار على تلك الأسس، فتتبلور الاصطفافات غير المفهومة أحيانا، وتتخذ الحجج غير المنطقية أساسا للاصطفاف أو الرفض.

كل ذلك يدور تحت لافتة «رمادية» يطلق عليها «حرية التعبير»، وهو مصطلح مخادع كثيرا، ففي الوقت الذي يجرم فيه الخوض بموضوعات ذات مساس مباشر بحياة المجتمع ووجوده وتقدمه، فإنه يتم فتح الباب واسعا لثقافة «التفاهة»، والنقاشات التي تؤدي لمزيد من الانقسام والفرقة على أسس وروابط بدائية، ما يمكن معه أن نسمي العملية «حرية انتقائية»، تختارها السلطة لتحقيق غايات محددة ليس من ضمنها رفع مستوى الوعي المجتمعي وتقدمه.

لتحليل مثل هذا السياق، يمكن اللجوء لافتراضين موضوعيين، الأول يتمثل في إشكاليات الهوية الرقمية التي نحاول الظهور بها أمام الجمهور العام، وهي هوية ربما تكون مزيفة وغير حقيقية، وظيفتها إضفاء طابع «تجميلي» على شخصياتنا غير العميقة، نحاول من خلالها استدرار القبول من الآخرين، متسولين ذلك القبول عن طريق تبني أفكار قد تكون متطرفة أو متساهلة، لكن الأهم في الأمر أنها لا تكون أصيلة، بل متأثرة بالمواقف المطروحة، والأشخاص المشتركين بالنقاش.

ربما يمثل هذا الأمر تشوها حقيقيا لسياقات المعرفة وتطورها، ويؤثر على تراكميتها، غير أنه سيكون أهون من الفرضية الثانية التي تتمثل في أن يكون الخطاب المعلن هو أقصى حدود المعرفة بالنسبة إلى أولئك، وعندها سنكون في صدد حصاد ما زرعه الاستبداد والتضييق على حرية الفكر. عندها سيكون عالمنا مؤطرا بمدى معرفة الأغلبية. وحين تكون الأغلبية مؤتمرة بعقلية القطيع، وتحتكم إلى الحاجات والروابط الأولية، ومغيبة عن علة وجودها الإنساني الأصيل، فيمكن لنا توقع أي سياق لا يكون في مصلحتنا!

النقاشات العامة يمكن أن تؤشر على علل خطيرة. يمكن لها أن تكشف عن جوانب مظلمة في العقل الجمعي، وأن تكون قادرة على كشف ما لا تكشفه الاعترافات المباشرة، والمسوحات الموسمية. ارصدوها فقط.

المقال السابق للكاتب 

في تفكيك بنية التخلف

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock