أفكار ومواقفرأي اقتصادي

كيف ننقذ المواطنين من التضخم ورفع أسعار الفائدة؟

أحمد عوض

يعيش العالم وشعوبه مرحلة تاريخية صعبة، حيث المعاناة الكبيرة جرّاء تراجع معدلات النمو الاقتصادي الناجمة عن الاختلالات البنيوية في الاقتصاد العالمي، وتأثيرات جائحة كورونا، التي أثقلت كاهل جميع الاقتصادات لمدة سنتين، ومعدلات ارتفاع الأسعار (التضخم) التي لحقت به وشملت مختلف السلع الأساسية.

السلطات النقدية الحكومية في معظم دول العالم لم تجد أمامها سوى رفع معدلات الفائدة، باعتبارها أحد أهم أدوات السياسات النقدية وأكثرها فاعلية، لكبح جماح الارتفاعات المستمرة في الأسعار (التضخم).

من شأن سياسة رفع معدلات الفائدة واستمرارها إضعاف فرص تعافي الاقتصادات العالمية من حالة الركود والتراجع الاقتصادي التي عانت منها لسنتين جراء جائحة كورونا والإغلاقات المتفاوتة، وهو ما سيضعف النمو الاقتصادي المنتظر.
هذا التراجع في معدلات النمو الاقتصادي سيؤدي بالضرورة إلى ارتفاعات متتالية في معدلات البطالة، وهو التحدي الذي لا يقل خطورة عن التضخم.

الأزمة، كما يتضح، عالمية، ولكن درجة تأثر الشعوب بها تتباين تبعا لطبيعة النظام الاقتصادي المعمول به فيها ولسياسات الاستجابة لهذه التحديات والمخاطر التي ستبادر الحكومات لتطويرها وتطبيقها.

التجربة العالمية أثبتت أن الدول التي طورت وطبقت نظما فعالة ومتماسكة وشاملة للحماية الاجتماعية، ستكون تأثيرات الآزمة الاقتصادية المركبة على مجتمعها أقل حدة من تلك الدول التي لديها نظم حماية اجتماعية ضعيفة ومجزأة.

وهنا تأتي مرة أخرى أهمية أن تستثمر الحكومات في بناء نظم حماية اجتماعية شاملة وفعالة تغطي مختلف مواطنيها، بحيث تضمن الحياة الكريمة لهم خلال الأزمات المتوقعة وغير المتوقعة.

نظم الحماية الاجتماعية تحمي الفقراء والمعرضين للفقر جراء ارتفاع الأسعار، بحيث تقلل من الأضرار الناجمة عن ارتفاعات الأسعار على المستويات المعيشية لمواطنيها، من خلال تقديم التعويضات لهم، أو من خلال دعم أسعار السلع الأساسية والاستراتيجية.

ولمن يعتقد من محاربي سياسات الدعم، ويعتبرها تشوها هيكليا في الاقتصادات، فإن الكثير من الدول التي تعتمد نظام “اقتصاد السوق الحر” تقوم بدعم القطاعات الاقتصادية المتعلقة بالأمن الاستراتيجي والغذائي، ودعم قطاع الثروة الحيوانية والزراعية يطبق على نطاق واسع في هذه الدول. لأنه في النهاية؛ الاقتصاد في خدمة المجتمع وليس العكس.

ومن جانب آخر، تقدم نظم الحماية الاجتماعية الفعالة تعويضات للبطالة، وهي بالمناسبة أحد الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها نظم الضمان الاجتماعي، وهي مقرة ومعترف بها منذ سبعين عاما، عندا أقرت منظمة العمل الدولية الاتفاقية رقم 102 للمعايير الدنيا للضمان الاجتماعي، وللأسف، فإن منظومة الضمان الاجتماعي المعمول بها في الأردن لا توفر هذا النوع من الحمايات.

ولمواجهة التضخم، تراجع غالبية الحكومات سياسات الأجور في القطاعين العام والخاص باتجاه زيادتها ليتمكن العاملون من الحفاظ على المستويات المعيشية لهم ولأسرهم، وهو ما نفتقده هنا في الأردن.

هذه فرصة للوقوف على مختلف الفجوات التي تعاني منها منظومة الحماية الاجتماعية المعمول بها في الأردن، بما فيها الضمان الاجتماعي، ليصبح أكثر شمولية من حيث زيادة أعداد المشتركين فيه، ومن حيث الحمايات التي يوفرها، بحيث يتضمن تأمين البطالة بديلا عن تأمين التعطل عن العمل المعمول به حاليا، وتطوير أدوات حمائية رخيصة التكلفة لتشمل جميع العاملين بأجر في الأردن، لأن نحو نصف العاملين غير مشمولين فيه، كي نتمكن من الانتقال إلى مرحلة شمول جميع المواطنين، عاملين وغير عاملين، في هذه المنظومة.

هذا يتطلب أن تتحمل الحكومة مسؤولياتها في تقديم الدعم لصندوق الضمان الاجتماعي لتغطية النفقات التي تترتب على ذلك، وهذا معمول به في أغلب دول العالم، إذ يتم رصد مخصصات مالية سنوية لدعم صناديق الضمان لتمكينها من تقديم هذه الحمايات.

وهذا مطلب واقعي، وقابل للتنفيذ، فبالقدر الذي ترصد فيه الحكومة مخصصات سنوية لصندوق المعونة الوطنية لتقديم المساعدات للفقراء الذين ليس لديهم مصادر دخل، يمكنها توفير مخصصات لدعم صندوق الضمان الاجتماعي لتوفير الحمايات الاجتماعية الضرورية.

أمامنا فرصة، للتفكير في إعادة بناء منظومة الحماية الاجتماعية لتتواءم مع التحديات والمخاطر التي يواجهها المجتمع، وهي فرصة لتغيير منظور التعامل الحكومي مع الإنفاق على الحمايات الاجتماعية باعتباره استثمارا وليس إنفاقا جاريا.

المقال السابق للكاتب 

بعد إطلاق رؤية التحديث الاقتصادي

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock