آخر الأخبار حياتنا

كيف ننمي المعرفة لدى الطفل؟

عبد العزيز الخضراء

عمان– يتطور الطفل ذهنياً مع امتداد عمره، فمع نموه الجسماني ينمو عقله وتتفتّح مداركه، وإذا لم يجد التوجيه من الأسرة التي ترعاه والعناية التي تقوده إلى المدرسة، فإنه لا يستفيد من النمو العقلاني في استيعاب العلوم وإدراك المعرفة، وهو لا يمكنه الوصول إلى التحصيل العلمي إلا بالتعلّم.
وسبيله إلى ذلك القراءة التي هي ركيزة العلم والثقافة لتحقيق الطموحات المنوطة به والآمال المعلقة عليه، والقراءة هي الوسيلة المثلى والسبيل الأقوم لبلوغ المعرفة، لاسيما في هذا العصر الذي ازدحمت فيه وسائل الإغراء وانتشرت فيه مجالات الترفيه، وهذا الوضع يدعونا للاهتمام بالكيفية التي نعمل من خلالها على تحبيب الطفل بالقراءة، ونحاول تشجيعه عليها وتنمية قابليته نحوها حتى نستطيع غرسها في نفسه فيألفها مع مرور الزمن ويهواها، ومن خلالها تكون هي نافذته على العلوم والثقافة والمعرفة في مستواها الرفيع، ومن المتوقع أننا سوف نواجه كثيراً من العزوف الشديد عنها خاصة في بداية عمر الطفل. لكن مع المرونة المناسبة في التعامل معه من خلال المواضيع الشيّقة التي تجلب انتباهه وتتجاوب مع تطلعاته ومواصلة تزويده بجرعات متدرجة من العلوم كيفاً وكماً، فإنه سوف يستسيغها ويألفها، وأهمّ ما يمكن أن يُقدم إليه في هذا المجال الكتيّبات والمجلات التي تنطوي على مواضيع تشده نحوها وتجعله يترقب صدور المجلة المفيدة أو الحصول على الكتاب المماثل.
للأسرة دور مهم في تكوين الرغبة لدى الطفل للقراءة في بداياته الأولى ثم يأتي بعدها دور المدرسة وهو دور تأسيسي في بناء الذات الفاعلة والخلق القويم، وحين يلتقي اهتمام الأسرة مع جهد المدرسة، فإنه يتسنَّى بذلك حشد بواعث مهمة لدفع الطفل الدارس للإقبال على القراءة لتصبح جزءاً من برنامجه اليومي إلى جانب الحوافز المعنوية والمادية التي تجعله يعشقها وتكون أهم هواياته، وإذا بدأ الخطوات الأولى في هذا المضمار استطاع السير فيه بقية المشوار، فأكثر ممارسات الحياة ألَف واعتياد، وإذا هو أَلِفَ وضعاً معيّناً انقاد له بحكم العادة التي ألفها.
وبعد الأسرة والمدرسة يأتي دور الأجهزة الإعلامية المرئية والمقروءة والمسموعة، فعليها معوّل كبير في تكوين شخصية الطفل وتوجيهه بما تبثه من مادة إعلامية من خلال برامج متنوعة تُغري الصغار بالإقبال عليها والتأثّر بها، ولهذا فإنه ينبغي الاعتناء بمادتها وموضوعيتها بحيث تواكب المقاصد التربوية لأطفالنا في هذا الجيل فتعمق في نفوسهم الثوابت الدينية وترتفع بمستوياتهم العلمية والسلوكية، ولا تقتصر على برامج التسلية وحدها وإنّما تضيف إليها ما يفيد المشاهد والقارئ والمستمع بحسب نوعية الوسيلة المقدمة للمعلومة. سواء كانت عَبر قنوات فضائية أو صحف ومجلات أو إذاعة وتلفزة، فإنّ المهم في هذا ليس الوسيلة وحدها أو نوعها وإنما الأهم المادة التي يجري إعدادها بعناية ومن ثم نقلها إلى المتلقين لها. إلى جانب سلامة المنهج الذي تنطلق منه والأساس الذي تقوم عليه والفكرة التي تصدر عنها. بحيث تنسجم مع ما استقر في ذهن المتلقي من معلومات صحيحة وسلوكيات رفيعة. لتؤكّدها في ذهنه وتعمّقها في نفسه بالكلمة المقروءة والصورة المشاهدة والإيحاء الإعلامي الرشيد.
علينا أن نحاول ترشيد خطوات الطفل في انفتاحه على هذا العالم الكبير لئلا تتعثر خُطاه فلا يعرف سلوك الطريق الذي ينتهي به إلى الغاية المطلوبة للولوج إلى عالم المعرفة منذ وقت مبكر والذي يتيح له تنمية قدراته الإبداعية، فكل طفل له قدرات عقلية ينبغي استغلالها فيما يعود عليه بالتفوق في حياته وإفادة مجتمعه بعد بلوغه مبلغ الرجال.
ذلك لن يتم إلاّ بمتابعة جيدة وملاحظة دقيقة من الوالدين والأقربين ومن المدرسين الذين يتابعون مستواه الدراسي في المدرسة، فإذا تكاتفت الجهود في المتابعة والتوجيه أمكن توظيف موهبته وطاقته ومدى استجابته لما يُلقى إليه من دروس وما يوجَّه نحوه من ملاحظات، وفي هذا الجو تتشكل استعداداته وتنمو تطلّعاته في مجال أرحب وعلى نطاق أوسع، ويصبح بهذه الاستعدادات مُهيأً للتفوق العلمي والتألّق المعرفي. كما يكون قد تجاوز حدود التوجيه المباشر إلى التوجيه غير المباشر. بحكم بلوغه المرحلة التي يدرك فيها ما يعود عليه بالنفع التام وما يقوده إلى النجاح الدائم، وهنا يأتي دور الحوافز في قيادته لآفاق التفوق، فهو محتاج إلى تهيئة الأجواء المناسبة لاستثمار حيويته المتفتحة ونشاطه المتوثب في الإقبال على التعليم والتميّز في الفهم والقدرة على المشاركة في استنباط المعاني والتوصل إلى استخلاص النتائج، وهي مرحلة لا يحول دون البروز فيها صغر السن إذا توافر الذكاء وتأصلت الموهبة، فالعباقرة الذين أصبح لهم شأن كبير في هذا العالم بدت عليهم ملامح العبقرية منذ صغرهم.
والعبقرية الكامنة في أعماق الطفل تبدو جليّة في تصرفاته المبكرة وملموسة بشكل واضح في تفكيره: سواء في طرحه للأسئلة بمبادرة منه أو في أجوبته على الأسئلة التي تُطرح عليه، ويُستشفّ منها جميعاً: (الأسئلة والأجوبة) أفكار متميّزة وردود قد لا يستطيعها مَن هو أكبر منه عمراً وأطول تجربة.. وبعض أفراد الأسر يضيقون بكثرة أسئلة أولادهم: (بنين وبنات) وقد لا يجيبون عن استفساراتهم مع إمكانية إجابتهم، وهذا موقف غير محمود لاسيما من الوالدين والإخوة الكبار العارفين لمضمون الإجابة.. فتعدّد الأسئلة من الصغير وكثرة الاستفسارات: مؤشر واضح على النشاط الذهني والقدرات العقلية، فينبغي عدم الاستهانة بالإجابات على ما هو مطروح من أسئلة أو الاستهتار بعقلية الطفل وإجابته إجابة غير صحيحة -أو كاذبة وذلك أسوأ- تخلصاً من إلحاحه.
ذلك ينطوي عليه خطورة في طريقة التلقي، فإنه سيعرف حتماً فيما بعد أنها غير صحيحة أو كاذبة، وإذا عرف فما هي نظرته لمن كذب عليه أو زوّده بمعلومة مغلوطة؟.. أنها نظرة ازدراء وعدم ثقة تظل تلازمه طيلة حياته حيال الشخص الذي أجابه تلك الإجابة الخاطئة. لأنه يبني على الإجابة التي يتلقاها معلومة يودعها فكره وينقلها إلى غيره، فإذا تبين له ما يخالفها فإنه سيؤثّر ذلك على رؤيته للأشياء وحكمه على الأشخاص، وعلى قدر ما تشتمل عليه الإجابة من حقيقة ومصداقية أو عكس ذلك، فإن أثرها ينعكس تلقائياً على نفسية الطفل، فيرى فيها الصورة الحقيقيّة التي سوف تستقر في ذهنه للمجيب ايجاباً أو سلباً، فعلى كل أب وأم أو قريب للطفل أن يضع نفسه في المكانة التي يحبّ أن يراه الطفل من خلالها ويحكم عليه من منظورها.

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock