أفكار ومواقف

كيف يتوازن العرب في الإقليم..!

ربما لا يوجد إقليم في العالم أكثر تعقيداً من الشرق الأوسط. وسوف يحتاج تحليله إلى مؤسسات وبرمجيات وليس أفرادا، خاصة وأن التحليل المتحرر من الانحيازات والعواطف سيكون نادراً، بالإضافة إلى أن الصورة أكبر من أن تشملها نظرة بعينين بشريتين. ومع ذلك، قد يفكر المرء في ما يُفترض أن يكون بدهيات أيدها تراكم الخبرة؛ منها أن العالم محكوم بقانون التنافس أكثر من التعاون.
إذا كان الأمر كذلك، فإن الدول والكيانات –والأفراد- معنيون بالبحث عن سبل التفوق في هذه المنافسة المفروضة، كمسألة تكيف مع قانون الطبيعة السائد، “البقاء للأصلح”، وبغض النظر عن حُسن النوايا. ولعل أسوأ أداء في لعبة تنافس بهذا المستوى هو ذلك الذي يجعل الآخرين يتنافسون عليك، ويخوضون معاركهم في فنائك، وبحيث لا تكون طرفاً في منافسة بقدر ما تصبح مجرد تفصيل وأداة في منافسات الآخرين.
يُفترض، نظرياً، أن يكون العرب هم الطرف الذي يصعب أن تنافسه الأطراف الأخرى في الإقليم. فهم يشكلون، من حيث الكتلة السكانية، والامتداد الجغرافي، وتنوع الموارد البشرية والطبيعية، وعوامل الوحدة الثقافية واللغوية والعقائدية، أكبر وحدة في الإقليم على الإطلاق وبفارق جيد. لكنَّهم جُعلوا –أو جعلوا من أنفسهم، لا فرق- ذلك التفصيل الصغير والجسد الضعيف الذي يتطفل عليه الآخرون ويخوضون حروبهم فيه.
لا يجوز بعد ذلك أن يستمر العرب في لوم جيران الإقليم على تنمرهم عليهم ودوس حياضهم. ولن تنفع في معالجة ذلك دعوات العاجزين، أو الخطابات المتشنجة والعصبوية –وبالتأكيد ليس جلب منافسين خارجيين أكثر لؤماً لتوفير الحماية، بينما يتم في الحقيقة منحهم مساحات عربية مجانية يكرسون فيها هيمنتهم ويزيدون من إضعاف قدرة أصحاب البيت على المناورة والمنافسة.
ينبغي أن يُنظر إلى سلوك بقية الأطراف في الإقليم واستقوائهم علينا من هذه الزاوية. وبغض النظر عمّا إذا كانوا يلحقون بنا ضرراً أو يتجاوزون سياجنا، فإنهم يتصرَّفون بدافع رؤيتهم لمصالحهم وأفضل استخدام لأدواتهم، ولا يتعاملون بالعواطف والإنسانيات. إنهم إذا لمحوا ثغرة أو أرضاً منخفضة، ورأوا في أنفسهم الإمكانية للسطو عليها وتعظيم ممتلكاتهم ومواردهم بها، فسوف يفعلون بلا تردد. بل إن مقتل المنطقة العربية هي أنها محكومة هي نفسها بمنطق المنافسة الذي تمارسه الكيانات القطرية العربية ضد بعضها البعض، لتصبح كلها أرضاً واطئة.
يحتل التوتر بين إيران وأميركا –وبما يتجاوز مسألة القضية الفلسطينية، ولو أنه يُستخدم لتحييدها- صدارة المشهد في الفترة الأخيرة. ومن الجدير حقاً تأمل تعامل رئيس القوة المهيمنة في العالم، الولايات المتحدة، مع العرب من جهة، ومنافسهم الجديد، إيران، من جهة أخرى. مع العرب، ثمة خطاب ازدرائي وعلاقة سائلة بينهم وبين أميركا. إنهم تارة حلفاء، وتارة طلاب حماية، أو أنهم النقيض القِيمي لما تمثله أميركا، وأنهم يجب أن يدفعوا إتاوات، ويجب أن يساعدوا خطط أميركا –والكيان الصهيوني العدو- ضد رغبات ومصالح شعوبهم وضد القوانين الإنسانية والدولية، حتى يحتفظوا بهذه العلاقة التي ما كان ينبغي أن تكون بهذه الشروط.
أما مع إيران، فالأمر سجال، فيه صوتان وليس واحداً. أنتَ تضربني وتهددني، لكنني أستطيعُ أن أضربَك أيضاً بما يُتاح لي. وحتى في عز التوتر القائم الآن بين أميركا وإيران، يتحدث ترامب عن التفاوض، ويتراجع عن ضربة عسكرية بعد أن أعلنت إيران أنها لم تجبن عن إسقاط طائرته المسيّرة. وبينما لا تتردد الولايات المتحدة في ضرب كل مَن يعارضها، فإنها تتوقف وتفكر حين يتعلق الأمر بإيران، وتحسب الاحتمالات والأضرار التي لا بُدّ منها حتى لو انتصرت في النهاية. هناك إذن كُلفة. والكلفة توجب الهيبة.
طريق العرب إلى المنافسة بدل الاستمرار في موقف الضحية، واضح. لن يفيدك أن تصرخ على جارك وتتوقع أن تردعه بالصوت العالي، أو أن تستأجر عليه أحداً ينهب مالك حتى يحميك. إن إيران –وحتى الكيان الصهيوني الصغير- يحاولون أن يتصرفوا كأمم –حقيقية أو مختلقة- وليس كإقطاعيات وفصائل متعادية مأزومة الدواخل. والعرب، في المقابل، يصرون على التصرف كأمم وعلى تحريض التناقضات حتى أصغرها حتى في القطر نفسه. والأنظمة التي تعتقد بأنها تحمي نفسها بهذه الطريقة ليست لها أي فرصة في المنافسة، ولن تمكِّن العرب من التوازن في الإقليم.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock