ترجمات

كيف يستولي المستوطنون على الأراضي الفلسطينية؟ ثمة طريق يجيب عن السؤال

درور إتكس* – (مجلة 972+) 12/2/2020

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

من أجل ربط الجيوب التي تشكل مستوطنة كيدوميم، استولى المستوطنون على طريق مركزي يخدم الفلسطينيين ومنعوهم من الوصول إليه.

  • * *
    في 28 كانون الثاني (يناير)؛ اليوم الذي نشر فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب “صفقة القرن”، جلست امرأة في سيارة مستأجرة في مستوطنة كيدوميم وهي تضغط على أزرار هاتفها، بينما تناهي إليها صوت طلقات من كفر قدوم المجاورة. واستطاعت سماع جئير مركبات الجيش وهي تخرج من القرية الفلسطينية التي تقع على بعد بضع مئات من الأمتار غرب المستوطنة.
    ثم قادت المرأة سيارتها جنوباً، باتجاه المخرج الرئيسي لكيدوميم، وواصلت السير غرباً في “شارع نهلة”. وعبر الشارع، رأيتُ تلميذ مدرسة ابتدائية يسير عائداً إلى المنزل، وسيارة تابعة لمجلس خدمة المستوطنين تمر في الجوار. كان هذا يوماً روتينياً في المستوطنة.
    بعد فترة قصيرة، وصلتُ إلى منزل في أقصى غرب كيدوميم، يقبع إلى جانب بساتين زيتون كفر قدوم. ومن المحتمل أن تصبح هذه النقطة في القريب علامة أخرى لحدود إسرائيل الدولية، إذا تم تنفيذ خطة ترامب وقامت إسرائيل بضم المستوطنات.
    تأسست كيدوميم في العام 1975 في أعقاب “تسوية سبسطية” الشائنة، حين توصل المستوطنون في مستوطنة “غوش إيمونيم” إلى اتفاق مع رئيس الوزراء آنذاك، إسحق رابين، ووزير الدفاع شيمون بيريز لإيجاد تسوية جديدة لتعويضهم عن نقلهم بعيداً عن الأرض التي استولوا عليها في محطة قطار سبسطية المتاخمة لقرية فلسطينية تحمل الاسم نفسه في شمال الضفة الغربية. وقبل ذلك بأعوام عديدة، كان شارع نهلة هو الطريق الذي يستخدمه سكان كفر قدوم الفلسطينيون للوصول إلى نابلس، أقرب مدنهم الرئيسية.
    لكن قطاعاً من هذا الطريق بطول كيلومترين يمر بين أشجار الزيتون والحقول في شرق كفر قدوم هو المكان الذي تأسست عليه مستوطنة كيدوميم قبل 45 عاماً. وطوال العقدين الماضيين، تم إغلاق هذا الطريق أمام سكان كفر قدوم الفلسطينيين. وفي حين خفت حدة النضال الشعبي في جميع أنحاء الضفة الغربية المحتلة، ما تزال هذه القرية من آخر الأماكن التي تُشاهَد فيها مظاهرات يوم الجمعة من كل أسبوع تقريباً، احتجاجاً على إغلاق الطريق.
    وكفر قدوم بعيدة كل البعد عن أن تكون المجتمع الفلسطيني الوحيد في الضفة الغربية الذي قُطعت عنه إحدى نقاط الوصول بسبب توسيع المستوطنات. وعلى سبيل المثال، ابتلعت مستوطنة كريات سيفر طريق بلعين الصفا. واستولت مستوطنة معاليه أدوميم على طريق أبو ديس-أريحا القديم. واحتوت مستوطنة نيف دانيال طريقاً محلياً كان يربط عدة قرى فلسطينية بمقام النبي دانيال.
    بالإضافة إلى ذلك، يتم تجميع معظم المناطق التي كان الجيش قد خصصها للمستوطنات معاً لتحويلها من جيوب ومناطق غير متجاورة، بما في ذلك الحقول الزراعية التي تعترف السلطات الإسرائيلية بأنها أراضٍ فلسطينية خاصة. وعلى هذا النحو، لا يمكن أن تخضع هذه المناطق رسميا، كبداية، للولاية القضائية للمستوطنات.
    قد يبدو هذا الواقع غريباً بالنسبة لأي شخص يفكر في التخطيط المجتمعي بالمعاني التقليدية -تطوير مكان يريد فيه الأشخاص العاديون أن يعيشوا حياة معيارية، والتي لا تنطوي على سرقة الممتلكات. لكن الضفة الغربية ليست مكاناً طبيعياً، ونظام تخصيص الأراضي والتخطيط الذي تفرضه إسرائيل على المنطقة يعمل وفقاً لمبدأ تنظيمي أعلى: اسرق وانهب في وقت فراغك، ثم فكر بعد ذلك في ما يجب فعله بالغنائم المسلوبة.
    بالإضافة إلى ذلك، ليس هناك سوى علاقة إحصائية عشوائية بين مناطق الاختصاص الرسمية والفعلية للمستوطنات. والسبب هو أن المستوطنين يقومون بشكل أساسي بعمل ما يحلو لهم، بينما السلطات المسؤولة عن إنفاذ القانون لا تفعل. هذا ما حدث مع كيدوميم: تبلغ المساحة التراكمية للجيوب السبعة المخصصة والمناطق غير المتجاورة نحو 3.300 دونم، بينما يدعي المستوطنون أن المجتمع يقع على مساحة تبلغ 6.000 دونم. فمن أين أتت الـ2.700 دونم الإضافية؟
    تقع مستوطنة كيدوميم اليوم بالكامل على أرض كفر قدوم، التي “تبرع” بها الجيش للمستوطنين نيابة عن السكان الفلسطينيين. وقد بدأ الأمر بإصدار الجيش الإسرائيلي سلسلة من “أوامر الاستيلاء العسكرية المؤقتة للاحتياجات الأمنية” بين العامين 1970 و1978، ومصادرة أكثر من 450 دونم من الأراضي التي تم منح أكثر من نصفها للمستوطنين.
    تُظهر صور جوية كانت قد التقطت في العام 1970 المنطقة التي تم الاستيلاء عليها في ذلك العام. في الجزء الجنوبي، تقع قاعدة كيدوميم العسكرية التابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي، في المكان نفسه الذي كانت فيه قاعدة عسكرية أردنية حتى العام 1967. وأصبحت المنطقة الشمالية، على مر الأعوام، نقطة الانطلاق لمستوطنة كيدوميم والمنطقة الصناعية الصغيرة المجاورة. وإلى الشمال من المستوطنة، يمكن رؤية الطريق الذي يربط كفر قدوم بنابلس بوضوح.
    في العام 1979، في قضية “التماس ألون موريه”، قضت المحكمة العليا في إسرائيل بأنه من غير القانوني تسليم الأراضي الفلسطينية التي استولى عليها الجيش الإسرائيلي للاستخدام العسكري لبناء المستوطنات. وبعد فترة وجيزة من ذلك، بدأت إسرائيل في إعلان مساحات شاسعة من الأراضي المشمولة بأمر الاستيلاء، والتي تعود إلى سكان كفر قدوم، “كأراضي دولة”، من أجل توسيع المستوطنات.
    تظهر الصور الجوية الملتقطة في العام 1983 بوضوح أن “أراضي الدولة” التي تم تسليمها للمستوطنين لم تكن متاخمة لنواة المستوطنة، لأنها كانت هناك -وما تزال- بساتين زيتون يملكها سكان كفر قدوم في تلك المساحات. والآن، لا يمكن للسكان الفلسطينيين الوصول إلى بعض بساتينهم إلا في أيام معدودة ومخصصة كل عام، في حين لا يمكنهم الوصول إلى معظم هذه الأراضي على الإطلاق. وفي بدايات ثمانينيات القرن الماضي، نمت كيدوميم واتسعت إلى نقطة وصلت فيها حواف المستوطنة إلى مسافة كيلومترين (1.24 ميل) إلى الشمال من بؤرتها.
    وكما تظهر الصور الجوية التي التقطت في العام 2019، فإن هذه هي أقصى نقطة وصلت إليها كيدوميم، حتى بعد أربعة عقود من إنشائها. وتقع معظم المباني التي تم بناؤها داخل الحدود الجنوبية والشمالية للمستوطنة.
    إذن، كيف يتم جعل هذه التجمعات المنفصلة مستوطنة متجاورة في الضفة الغربية؟ وفقًا لدانييلا فايس، زعيمة المستوطنين وعمدة كيدوميم السابقة، فإنك تقوم ببساطة ببناء طريق يمر ببساتين الزيتون في كفر قدوم. وتظهر دراسة أوثق لصورة جوية من العام 1983 أن طريقا من حزمة الجيوب الجنوبية للمستوطنة، والذي يقع ضمن أمر الاستيلاء، يمتد في الجزء الشمالي باتجاه طريق كفر قدوم-نابلس.
    كان توسيع المستوطنة شمالاً بمثابة الضربة الأخيرة لطريق كفر قدوم- نابلس. وعلى مر الأعوام، مع توسيع كيدوميم وانتشارها على أكثر من 10 من قمم التلال، أصبح الطريق وسيلة رئيسية لنمو المستوطنة، وكان كل ما على المستوطنين القيام به هو انتظار فرصة لمنع حركة المرور الفلسطينية عليه.
    وقد عرضت هذه الفرصة نفسها في الأعوام الأولى من الانتفاضة الثانية، التي فاجأت مستوطني كيدوميم وهم في منتصف حملة استيلاء عنيفة كانوا قد بدأوها قبل أعوام قليلة. وقد تضمنت هذه الحملة للسيطرة على المزيد من الأراضي حول المستوطنة تلك الاقتراحات المعتادة للمستوطنات من هذا النوع: إنشاء طرق جديدة، ومنع وصول الفلسطينيين من إلى المناطق المحيطة بالمستوطنة بعنف، وبناء بؤر استيطانية.
    هكذا حدث، في نهاية تسعينيات القرن العشرين، أن أصبح جبل محمد في كفر قدوم بؤرة “هار حميد” الاستيطانية الأمامية. وهكذا تم بناء الحي الذي يعيش فيه النائب اليميني المتطرف ووزير المواصلات، بيتزاليل سموتريتش، في العام 2004.
    *تتابع درور إتكس سياسة إسرائيل الخاصة بالأراضي والمستوطنات في الضفة الغربية.
    *نشر هذا المقال تحت عنوان: How do settlers take over Palestinian land? One road gives the answer

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock