أفكار ومواقف

كيف يكون العمل الديني في سياق التنمية؟

يمثل الدين لدى جميع الأمم مكونا رئيسيا في المنظومة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ويفترض أن الدين في روايته التاريخية يشكل رافعة للتنظيم الاقتصادي والاجتماعي باتجاه النهضة والإنتاج وتحسين الحياة، لكن ذلك لا يحدث تلقائيا، إذ قد يكون العمل الديني ممثلا بالمؤسسات والعاملين في المجال الديني والطقوس والممارسات عبئا اقتصاديا واجتماعيا، والحال أن التدين منتج حضاري واجتماعي، وليس مستقلا عن البيئة الاجتماعية والاقتصادية المحيطة بأهل الدين، ويحفل التاريخ والجغرافيا بنماذج للنهضة الاقتصادية والاجتماعية والعلمية القائمة على الدين أو النزف الاقتصادي والتخلف الاجتماعي المستمد أيضا من الدين، وعلى سبيل المثال فقد نهضت الكنيسة بعد انهيار روما العام 476م بالتنظيم الاجتماعي في أوروبا، وأنشأت بالتدريج نهضة اقتصادية واجتماعية خرجت بها من الانهيار الذي لحق بأوروبا بسبب انهيار الامبراطورية، ثم أنشأت شبكة واسعة من المدارس والجامعات والمستشفيات وأعمال الخدمة الاجتماعية.
لا تبدو النتائج والآثار الإيجابية للتدين في المجال الاقتصادي والاجتماعي على نحو يسهل قياسه، لكن يمكن ملاحظته في دراسة وتحليل المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية والقيم المؤسسة لها، في التعليم والصحة والتكامل الاجتماعي، ونحتاج أن نلاحظ على نحو عملي أو إحصائي العلاقة بين التدين وجودة التعليم والثقة والاتقان ومواجهة الغش والسلوك الاجتماعي والتضامن، ومواجهة الجريمة والإدمان والتفكك الأسري،.. وبالطبع هناك حالات واضحة يمكن الربط بينها وبين التدين مثل برامج الإغاثة للفقراء والأيتام واللاجئين والعمل الاجتماعي.
ليست وزارة الأوقاف ولا التعليم الديني في التربية والجامعات ولا المحاكم الشرعية ودوائر الافتاء أمرا إلهيا وليست من الدين، لكنها مؤسسات تنظيمية، ويمكن الاستغناء عنها وإسناد جميع أعمالها إلى المجتمع نفسه وإلى المؤسسات الفنية القائمة، مثل دائرة الأراضي والمساحة ووزارة المالية والبنك المركزي لأجل إدارة وتوثيق وحماية الأملاك الوقفية، والمحاكم النظامية القائمة لتتولى تطبيق قانون الأحوال الشخصية، ويمكن في سنة على الأكثر تأهيل قضاة المحاكم الشرعية ليكونوا قضاة نظاميين وتأهيل القضاة النظاميين ليكونوا قضاة أحوال شخصية، ويدمج الكادر الإداري في المحاكم النظامية حسب حاجتها.. وسوف يطور الدمج في روح وأداء القضاء والمحاكم.
لا نحتاج في الأردن أكثر من ألف مسجد جامع، ويمكن أن تؤجر مباني المساجد المتبقية إلى وزارات التربية والصحة والشؤون الاجتماعية، لتكون مقرات لمدارس ومراكز صحية واجتماعية، وتوضع عائدات الإيجار في صندوق استثماري أو وديعة لدى البنك المركزي للإنفاق على المساجد والتعليم الديني والأئمة والدعاة والمفتين، إذ يمكن تحويل إدارة وتنظيم الشأن الديني إلى جمعيات أهلية محلية للمساجد والبلدات والأغراض الدينية المختلفة، ويجمعها اتحاد مركزي ينظمها ويشرف عليها، ويمكن الإنفاق على هذه الجمعيات من الأهالي والبلديات والمجتمعات إضافة إلى الصندوق الوقفي.
ويمكن أن يكون الائمة متطوعين أو متعاونين من أهل الحي، ويمكن إدارة وتنظيم مؤسسات أهلية تعليمية وتدريبية لإعداد وتأهيل الأئمة والدعاة، ويمكن أيضا تقليل الهدر في الوقت والتكاليف المبذولة في العبادات والشعائر، .. ولا يعقل أبدا أن ننفق على العبادات والمؤسسات الدينية مثل هذه المبالغ في الوقت الذي تبنى فيه المدارس والعيادات والمستشفيات بالمعونات والمنح الخارجية.
إن وصية الرسول العامة للتدين هي “قل آمنت بالله ثم استقم” .. ولا نحتاج لأجل ذلك هذا القدر من الإنفاق والمؤسسات والعاملين، بل يمكن تخفيض تكلفتها إلى العشر، .. ونظل مؤمنين بالله مستقيمين!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock