ترجمات

كيف يمكن أن تصبح إسرائيل جزءاً من القصة الأميركية-الإيرانية؟

نيري زيلبر* – (غلوب أند ميل) 10/1/2020

استيقظ الإسرائيليون صباح الجمعة 3 كانون الثاني (يناير) على خبر مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني، فتبادر إلى أذهانهم على الفور السؤال التالي: هل نحن المسؤولون؟ وما إن اتضح أن الولايات المتحدة، وليس إسرائيل، هي التي تقف وراء الضربة بطائرة من دون طيار في بغدادـ التي أودت بحياة قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإسلامي الإيراني، تحوّل الخوف إلى غبطة. ولا يحتاج الإسرائيليون إلى تمهيد لمعرفة ما تعنيه الأسماء المذكورة -فقد كان الحرس الثوري الإسلامي ووحدة فيلق القدس التي تُنفذ عمليات خارج الحدود الإقليمية والجنرال سليماني على رأسها، يحاربون إسرائيل لسنوات. وأعرب المحلل المحلي البارز أنشيل فايفر عن الغبطة التي شعر بها الإسرائيليون بقوله: “لن يذرف أحد الدموع في إسرائيل على رحيله عن هذا العالم”. مع ذلك، بقيت بعض المخاوف سائدة. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، كيف ستنتقم إيران وقواتها المقاتلة بالوكالة المنتشرة في أرجاء المنطقة؟
تضم لائحة الجماعات المقاتلة المدعومة من إيران المنتشرة على حدود إسرائيل، والمسلّحة بآلاف الصواريخ والقذائف، كلاً من حزب الله في لبنان، وميليشيات شيعية متمركزة في سورية، وحركتي حماس والجهاد الإسلامي في غزة. وقد ساهم سليماني في تمويلها وتدريبها وتسليحها جميعاً. وفي مقابلات مع كبار مسؤولي الدفاع الإسرائيليين في السنوات الأخيرة، غالباً ما تردّد اسم سليماني -بعبارات شخصية ومحترِمة عموماً؛ فقد وصفه أحد ضباط الاستخبارات بأنه خصم حذر، ولو أن طموحاته مبالغ فيها بعض الشيء.
وفي العام الماضي، طرحت “القناة العاشرة” التلفزيونية الإسرائيلية على رئيس أركان الجيش الإسرائيلي المنتهية ولايته، غادي آيزنكوت، السؤال التالي: لماذا ما يزال الجنرال سليماني على قيد الحياة؟ وردّ الجنرال آيزنكوت بلا مبالاة قائلاً: “هذا سؤال مطروح”.
غير أن الأمر باغتياله لم يصدر عن إسرائيل وإنما عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب -وهذا فرق مهم. بطبيعة الحال، عبّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن دعمه المطلق لهذه الخطوة، وقال أن السيد ترامب اتخذ إجراءات ضدّ “إرهابي كبير كان العقل المدبّر وراء… حملة القتل والإرهاب التي نفذتها إيران في جميع أنحاء الشرق الأوسط والعالم”. ومع ذلك، حافظ السيد نتنياهو شخصياً وغيره من كبار المسؤولين الإسرائيليين على تكتمهم نسبياً، إذ حاولوا بحذر إبقاء إسرائيل خارج الأزمة الأوسع نطاقاً التي تتجلى في المنطقة.
في الأيام التي أعقبت الاغتيال، أفاد اللواء هرتسي هاليفي من الجيش الإسرائيلي أن مقتل سليماني “يندرج في إطار صراع بين الولايات المتحدة وإيران حول هيكلية العراق. هذا كل ما في الأمر. وهذه المسألة تؤثر علينا كإسرائيليين، ولذلك علينا متابعتها عن كثب، ولكننا لسنا محور القضية، ومن الجيد أنها حصلت بعيداً عنا”.
لكن إسرائيل تشكّل جزءاً من قضية سليماني -سواء من حيث التداعيات المحتملة الناتجة عن أي تصعيد مستقبلي أميركي-إيراني، أو في المقابل، من حيث تأثير التوترات الإقليمية المتصاعدة على إسرائيل نفسها.
الضربات الصاروخية الإيرانية التي استهدفت قاعدتين أميركيتين في العراق في 8 كانون الثاني (يناير)، وشكّلت الردّ الأول على اغتيال أحد كبار جنرالاتها، لم تسفر عن أي إصابات. حتى أن السيد ترامب نفسه قلل من أهمية الضربات وقال أن “طهران تتراجع على ما يبدو”. غير أن الأيام والأسابيع المقبلة كفيلة بأن تبرهن صحة هذه الفرضية.
وكان القادة الإيرانيون وحلفاؤهم الإقليميون قد توعّدوا الولايات المتحدة بـ”ردّ قاسٍ”، مع التركيز على القوات الأميركية المتمركزة في بعض أنحاء المنطقة. ووفقا لتقييم مسؤولين محليين، فإن إسرائيل لا تشكّل في الوقت الحالي الهدف الرئيس. صحيح أن الجيش الإسرائيلي في حالة تأهب، ولكن هذه الخطوة بحد ذاتها ليست خارجة عن المألوف. وقج تعرّضت الحكومتان الفرنسية والأميركية لبعض الانتقادات عندما أصدرتا تحذيرات سفر إلى إسرائيل خلال الأيام الماضية؛ فالكثير من السكان المحليين كانوا أكثر انشغالاً بالأمطار الغزيرة (بما في ذلك بعض الوفيات التي نتجت) من انشغالهم العوامل الجيوسياسية.
ولكن إذا استهدفت إيران أو وكلاؤها الولايات المتحدة مجدداً وقرر السيد ترامب الانتقام -كما تعهّد- من إيران على وجه التحديد، فإن إسرائيل يمكن أن تصبح بسرعة جزءاً من القصة.
لم يقضِ الجنرال سليماني عقودا من الزمن ويصرف عدة مليارات من الدولارات على الجماعات التابعة لإيران في المنطقة لتبقى إسرائيل على الحياد إذا ما تعرضت العاصمة للهجوم. ولطالما اعتُبر حزب الله اللبناني بشكل خاص الرادع الرئيسي ضد أي اعتداء أميركي (أو إسرائيلي) على إيران. وفي هذه الحالة، سوف يطلق أكثر من 100 ألف صاروخ وقذيفة من ترسانته على إسرائيل، مما يستدعي ردا إسرائيليا عسكريا شرسا. ومن المنطقي أن يتوقّع معظم المحللين أن يكون الصدام الكبير القادم بين هذين العدوين القديمين أسوأ حرب عربية-إسرائيلية منذ حوالي 50 عاماً.
صحيح أن المسؤولين الإسرائيليين لم يكونوا بحاجة إلى أن يذكّرهم استخدام السيد ترامب المفاجئ للقوة العسكرية ومقتل الجنرال سليماني بهذه المخاطر، لكن ربما غابت هذه المخاطر عن بال الشعب الإسرائيلي.
ساهم نشر صور اليد المقطوعة للجنرال الإيراني على الصفحات الأولى وفي نشرات الأخبار التي استُهلت بأخبار العراق و”عودة” ترامب بقوة إلى الشرق الأوسط -في صرف الانتباه عن المزيد من الأمور الداخلية اليومية في إسرائيل، مثل إجراء انتخابات ثالثة على التوالي بعد سبعة أسابيع فقط.
يكافح السيد نتنياهو، كما هو معلوم، من أجل حياته السياسية. ففي تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، صدرت بحقه مجموعة كبيرة من لوائح الاتهام بالفساد -بما في ذلك الرشوة، الأمر الذي يهدّد مستقبله القانوني. وسيكون خوض حرب فعلية شأنا سيئاً وفوضوياً وغير سهل أبداً. لكن زيادة التوتر، والتركيز على الشؤون العسكرية (وليس مجرد لوائح الاتهام) قد يعودان بالفائدة على أي رئيس وزراء مقبل ذي خبرة.
تجدر الإشارة إلى أن نتنياهو أمضى معظم مسيرته المهنية في مواجهة إيران، ولم يتوقف خلال العام الماضي عن تحذير الشعب من أن ما يحصل هو “لحظة أمنية حساسة للغاية”. ولطالما كرر أن إسرائيل تقف عند مفترق تاريخي -في وقت تلوح فيه “تهديدات هائلة” في الأفق. ووفقاً للقرارات التي تُتخذ في واشنطن وطهران، قد يتضح أنه على حق.

*صحفي مقيم في تل أبيب، وهو زميل مساعد في معهد واشنطن وزميل رفيع في “المركز البريطاني الإسرائيلي للاتصالات والبحوث” (بايكوم).
*نشر هذا المقال تحت عنوان: How Israel Could Become Part of the U.S.-Iran Story. الترجمة العربية لمعهد واشنطن لسياس الشرق الأدنى.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock