أفكار ومواقف

كي لا نودع أحبتنا.. لنتعلم من أخطاء الآخرين

فجر أمس تلقينا نبأ الإعلان عن أول حالة وفاة بفيروس كورونا في الأردن لسيدة ثمانينية انتقلت إليها العدوى من أحد أفراد أسرتها.
للخبر بالتأكيد وقع مؤلم، لكنه ليس مفاجئا، فالمعلومة التي صارت واضحة للجميع أن الفيروس إذا أصاب من هم ضمن الفئات العمرية الشابة يسبب في الغالب أعراضا خفيفة أو متوسطة، وأحيانا قد يمر بهم من دون أن يترك أثرا يذكر، لكنه يصبح أشد فتكا حين يصيب كبار السن، قد يصل بهم إلى الوفاة.
بصمت، يرحل هؤلاء، وحيدين، بعد معاناة قاسية مما يسببه الفيروس من آلام، من دون أن يتمكن أحبتهم من الأبناء والأحفاد من الالتفاف حول رؤوسهم وتقبيل أيديهم، والبوح لهم بامتنانهم لعطائهم الكبير وصبرهم الطويل لأجلهم، أو حتى وداعهم في الطريق إلى مثواهم الأخير.
لقد حصد هذا الفيروس آلاف الأرواح حول العالم وما يزال عدّاد الموت آخذا في التزايد، واضعا دولا عظمى على شفير الهاوية في مواجهة أمواج المصابين والموتى.
مشاهد موجعة تتوالى يوميا آتية من الغرب لمصابين لم تعد المستشفيات تتسع لاستقبالهم وعلاجهم، وجثث لم تعد مقابر البلاد تتسع لاحتضانهم.
الأطباء يقفون يوميا أمام اتخاذ قرار الحياة أو الموت للمرضى، لا خيارات أمامهم سوى منح الأسِرّة لمن لديهم فرص أقوى للبقاء على قيد الحياة على حساب الفئات الأكثر هشاشة وأقل مقاومة، وهم غالبا الأكبر سنا.
الأمور وصلت هناك حد الكارثة الإنسانية، والنداء الأكثر تكرارا لشعوب العالم على ألسنة طواقمهم الطبية: “لا تظنوا أن الأمر لا يمكن أن يصل إليكم، إنه يحصل لدينا ومن الممكن أن يحصل في أي مكان في العالم إن لم تفعلوا شيئا لإيقافه!”.
دول عظمى انهارت أنظمتها الصحية بعد أن كانت ضمن الأقوى على مستوى العالم، فيما لم تشفع الاقتصادات المنيعة لدول أخرى بإبقائها بعيدة عن الآثار المدمرة لاجتياح الفيروس.
تضعنا كل هذه الحقائق أمام مسؤوليات أخلاقية كبيرة، فنحن في الأردن لا نملك ترف الرخاء الاقتصادي الذي تملكه دول عظمى خرجت منها مؤخرا صور لممرضات يرتدين أكياس القمامة السوداء لعدم توفر لوازم العزل للطواقم الطبية في المستشفيات كما حدث مؤخرا في الولايات المتحدة الأميركية.
لا نظام صحيا قويا لدينا كما لدى الدول المتفوقة في ذلك والتي تصارع لإبقاء المصابين على قيد الحياة، بعد أن تكدسوا في أقسام وممرات مستشفياتها.
لسنا بمنأى عما يحدث في العالم، ونعلم جميعنا هشاشة نظامنا الصحي، الذي ما يزال حتى اللحظة يبلي بلاءً حسنا بالتعامل مع الفيروس بالنظر لإمكانياته المتواضعة جدا، وما تزال الأمور تحت السيطرة حسب تصريحات وزير الصحة الأكثر اطلاعا على التفاصيل.
لكن بقاء الوضع ضمن نطاق السيطرة أو انفلاته- لا قدر الله- يحدده سلوكنا ودرجة مسؤوليتنا في التعامل مع الأمر في هذه المرحلة الحساسة والحرجة.
ما يزال الكثير منا، خصوصا ممن هم في مقتبل أعمارهم من الشباب، لا يأخذون الأمور بجدية، وما نزال رغم كل التحذيرات نلحظ ممارسات ومشاهد غير مسؤولة، كعدم التزام المنازل والانعزال الاجتماعي، وعدم توخي أقصى درجات الحرص عند الاضطرار للخروج من المنزل، ومن أهمها ترك مسافات آمنة بين الأشخاص، وارتداء الكمامات والقفازات قدر الإمكان، وعدم التجمهر، ومنع الأطفال من الاختلاط بالآخرين في محيط المنزل، وغيرها الكثير من الإجراءات والاحتياطات.
الأمر قاس وصعب، لكن علينا أن ندرك جيدا أننا أمام اختبار وعي وأخلاق شديد الحساسية، فإما أن نقبض على جمر قساوة الحجر المنزلي لأيام معدودة في سبيل الحفاظ على أفراد أسرنا، خصوصا كبار السن منهم، أو أن نستسلم للامبالاة فنكون نحن وأحبتنا في قبضة هذا الفيروس القاتل.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock