أفكار ومواقف

لأجل السلام العالمي والعيش المشترك

اختتم المؤتمر العالمي للأخوة الإنسانية الذي عقد في أبو ظبي بإعلان وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك والتي وقعها كل من بابا الكنيسة الكاثوليكية (الفاتيكان) البابا فرنسيس، وشيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب.
وفد إلى المؤتمر الذي تشرفت بالمشاركة فيه وعضوية اللجنة العلمية مئات الشخصيات من القيادات الدينية والباحثين والمفكرين المشتغلين بالدراسات والشؤون الدينية، من المسلمين سنة وشيعة، والمسيحيين كاثوليك وارثوذكس وانجيليين والهندوس والبوذيين والسيخ والزرادشتيين والشنتو والكونفوشيين والميثوديين واليزيديين. ويتساءل المرء ببداهة إذا كان هؤلاء القادة الدينيون من كل الأمم والدول والأديان والمذاهب والطوائف يملكون هذا القدر من التقبل لبعضهم البعض؛ ويلتقون في قاعة واحدة ويتحاورون، فلماذا يكون بين اهل الأديان والمذاهب والثقافات كراهية ورفض وعدم تبادل للمعرفة والفهم؟ لماذا يدعو الإيمان بالله إلى الأخوة الإنسانية وتقديم العون لكل إنسان واختصاص الضعفاء والمحتاجين بالإغاثة والمساعدة وفي الوقت نفسه فإن المؤمنين أنفسهم يقتلون ويكرهون بعضهم بعضا؟
لكن وعلى أي حال فإننا في ميدان الدعوة والفكر والفن ونحن المؤمنين بالله وبلقائه وبحسابه، ومن منطلق مسؤوليتنا الدينية والأدبية؛ نطالب أنفسنا وقادة العالم، وصناع السياسات الدولية والاقتصاد العالمي، بالعمل جديا على نشر ثقافة التسامح والتعايش والسلام، والتدخل فورا لإيقاف سيل الدماء البريئة، ووقف ما يشهده العالم حاليا من حروب وصراعات وتراجع مناخي وانحدار ثقافي وأخلاقي.
فالبشر الذين خلقوا جميعا متساوين وكانت جريمة إزهاق نفس واحدة تساوي قتل الناس جميعا، وإحياء نفس واحدة تساوي إحياء الناس جميعا؛ ملزمون بالعيش معا لإعمار الارض وحماية قيم التعاون والسلام، وإذا كانوا خلقوا أحرارا مختلفين في أفهامهم فإن ذلك لأجل السلام والتقدم، وحري بهم أن يفكروا معا لأجل الفقراء والمحرومين والمهمشين والأيتام والأرامل والمهجرين والنازحين من ديارهم وأوطانهم، وكل ضحايا الحروب والاضطهاد والظلم، والمستضعفين والخائفين والأسرى والمعذبين في الأرض، دون إقصاء أو تمييز.
يمثل المسلمون والمسيحيون حوالي ثلثي سكان العالم اليوم، وعلى نحو ما فإن لقاء بابا الكنيسة الكاثوليكية وشيخ الأزهر يعبر عن كتلة كبيرة جدا من العالم، وفي الوقت نفسه فإن العالم المسيحي الغربي يقود الحضارة العالمية ويصوغها، ويتحمل بطبيعة الحال مسؤولية قيادية تجاه العالم، كما يتحمل مسؤولية تاريخية، فهذه الحالة العالمية بخريطتها وتشكلاتها وأزماتها وإنجازاتها هي نتاج الحضارة الغربية وصعودها القيادي في العالم منذ القرن السادس عشر ثم الهيمنة عليه منذ القرن الثامن عشر، ثم احتلال ثلاثة أرباعه على الأقل في القرن التاسع عشر، والمسلمون البالغ عددهم حوالي 1800 مليون نسمة وإن كان ينتمي إليهم وإلى عالمهم معظم العنف المنتسب إلى الدين، فإنهم أيضا ضحايا هذا العنف، وتشكل نسبة المسلمين من ضحايا العنف من القتلى واللاجئين والمتضررين إلى 99 في المائة، وإنها لمفارقة عظيمة ملفتة!
لكن وكما كانت الكلمة مؤسسة للحضارة الإنسانية بكل ما فيها اليوم، وبرغم ما يبدو أن السياسة قد انفصلت عن الكلمة والدعوة فلا نملك أن نشارك المؤتمرين بأن “نتوجه للمفكرين والفلاسفة ورجال الدين والفنانين والإعلاميين والمبدعين في كل مكان ليعيدوا اكتشاف قيم السلام والعدل والخير والجمال والأخوة الإنسانية والعيش المشترك، وليؤكدوا أهميتها كطوق نجاة للجميع، وليسعوا في نشر هذه القيم بين الناس في كل مكان.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock