ترجمات

لأجل تحقيق مستويات منخفضة من الكربون في مجال النقل البحري

خوسيه ماريا فيغيريس*

نيويورك ـ سيجتمع ممثلو الحكومات حول العالم (بشكل افتراضي) هذا الشهر لحضور قمة مناخية حاسمة، وإن كانت سرية إلى حد ما، في المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة (IMO). يتناول الموضوع كيفية تحقيق إزالة الكربون من صناعة الشحن البحري العالمية، والتي تمثل أكثر من 80 ٪ من التجارة العالمية وتُصدر أكثر من مليار طن من انبعاثات الغازات المُسببة للاحتباس الحراري سنويًا – أكثر من أي دولة أخرى باستثناء أكبر خمس دول مُصدرة للانبعاثات.
لا يمكننا تجاهل هذا المصدر الهائل للانبعاثات. إن إدماننا للوقود الأحفوري له تأثير كارثي على الكوكب، وخاصة على محيطاتنا. يؤدي ارتفاع درجات الحرارة وزيادة حموضة المحيطات، وذوبان الجليد البحري العائم، وانخفاض مستويات الأكسجين إلى تدمير الشعاب المرجانية، وتهديد الحياة البحرية، وتقويض قدرة المحيط على العمل كنظام بيئي رئيس ومُنظم للمناخ. نظرًا إلى أن نصف الأكسجين الذي نتنفسه يأتي من المحيط، فهذا يعني أن صحتنا مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بصحة هذا النظام الطبيعي.
يُحذر العلماء من أن لدينا عشر سنوات على الأكثر لاتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على الاحتباس الحراري العالمي في حدود 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، وذلك لتجنب وضع مخاطر كبيرة على الطبيعة والبشرية. ومع ذلك، على الرغم من القلق العام المتزايد بشأن أزمة المناخ، ما تزال اجتماعات المنظمة البحرية الدولية بالكاد تجذب اهتمام وسائل الإعلام. في الواقع، معظم الناس ليس لديهم فكرة عمن يمثل بلادهم في هذه المحادثات، ناهيك عما إذا كانت حكوماتهم تدعم أو تُعارض معايير مناخية أكثر صرامة.
في العام 2018، دعمت جميع البلدان تقريبًا اعتماد خُطة فعالة لإزالة الكربون تهدف إلى خفض انبعاثات قطاع الشحن العالمي إلى النصف بحلول العام 2050. لكن السؤال الحاسم حول كيفية تحقيق هذا الهدف ظل بدون إجابة. ستحاول الحكومات إيجاد حلول فعالة في اجتماع المنظمة البحرية الدولية لهذا الشهر، تم في الدورة 75 للجنة حماية البيئة البحرية (MEPC75) الشهر المقبل.
وتحقيقًا لهذه الغاية، اجتمعت بلدان متنوعة مثل الصين والهند وفرنسا ونيجيريا بالفعل حول اقتراح معقول: “الكفاءة التشغيلية القائمة على الهدف”. بموجب هذا النهج، الذي ليس تقنيًا كما يبدو، سيتوصل المجتمع الدولي إلى اتفاق على أهداف مُعينة فيما يتعلق بالكمية القصوى من ثاني أكسيد الكربون التي يُسمح لكل نوع من السفن بانبعاثها لكل طن من البضائع لكل ميل يتم قطعه. مع وضع هذه الحدود القصوى، يمكن لمالكي السفن أن يُحددوا بأنفسهم التدابير التي يجب اتخاذها لتحقيق أهداف إزالة الكربون. مع وجود هدف مُحدد بدرجة كافية – خفض كثافة ثاني أكسيد الكربون على سبيل المثال بنسبة 80 ٪ بحلول عام 2030 – يمكن لقطاع النقل البحري تحقيق أهداف خفض الانبعاثات المنصوص عليها في اتفاقية باريس للمناخ واستيعاب المزيد من النمو في التجارة العالمية.
ولكن كما هو الحال دائمًا، تكمن المشكلة في التفاصيل. تتمثل إحدى المشاكل المحتملة في أن اليابان وبعض البلدان الأخرى تُحاول تأجيل تنفيذ التدابير التنظيمية الإلزامية الأكثر صرامة بشأن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون حتى العام 2029 أو 2030. وإذا نجحت في ذلك، فستستمر الانبعاثات السنوية لصناعة الشحن في الارتفاع خلال هذا العقد، مما سيمنعنا مرة أخرى من تحقيق أهداف اتفاقية باريس.
ولكن إذا تمكنت الحكومات من العمل معًا واعتماد لوائح صارمة بشأن خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، فسيكون لدى مالكي السفن العديد من الخيارات المُتاحة لتحقيق الأهداف الجديدة. على سبيل المثال، يمكن للسفن المُزودة بأشرعة “فليتنر” الدوارة أن تُقلل من استهلاكها للوقود بأكثر من 8 ٪، ويمكن لأنظمة التشحيم الهوائية أن تقلل الاستهلاك بنسبة 12 ٪ إضافية، على الرغم من فعاليتهما الواضحة، لم يتم تركيب أي من النظامين في أكثر من مجموعة ضئيلة من السفن التجارية التي يبلغ عددها 60.000 سفينة على مستوى العالم أو نحو ذلك. وحتى إذا كان مالكو السفن يفتقرون إلى السيولة النقدية للاستثمار في هذه التدابير المنطقية، فإن مجرد تقليل سرعة سفنهم بنسبة 20 ٪ من شأنه أن يُقلل من الانبعاثات وتكاليف الوقود بنسبة 24-34 ٪.
من المؤكد أن تحقيق صافي الانبعاثات الصفرية سيتطلب أيضًا تحولًا أوسع بكثير عن أنظمة الدفع بالوقود الأحفوري. ومع ذلك، تتقدم صناعة الشحن نفسها على الحكومات المتخلفة التي تحاول منع التقدم في المنظمة البحرية الدولية. تحت رعاية تحالف “بلوغ صافي الانبعاثات صفر”، تعمل أكثر من 120 شركة كبرى بالفعل على تسويق السفن ذات الانبعاثات الصفرية خلال السنوات العشر القادمة.
ستحقق مثل هذه المشاريع فوائد بعيدة المدى للبلدان النامية الغنية بالطاقة المتجددة. يتميز النقل البحري النظيف بميزة ثلاثية: بالإضافة إلى الحد من التلوث الجوي، فإنه يقلل أيضًا من فواتير استيراد النفط الضخمة ويعزز الاستثمار الداخلي لقطاعات الطاقة المتجددة الوطنية. على سبيل المثال، وفقًا لدراسة أجراها صندوق الدفاع البيئي، يمكن للشيلي أن تفتح الطريق لما يصل إلى 90 مليار دولار من الاستثمار في البنية التحتية للطاقة المتجددة إذا ما تحولت سفنها من الوقود الأحفوري إلى الوقود الأخضر القائم على الهيدروجين المصنوع باستخدام الطاقة المتجددة.
كما هو الحال مع العديد من القضايا الأخرى في النقاش حول المناخ، فإن العقبة الحقيقية التي تحول دون تحقيق مستقبل مستدام ليست التكنولوجيا، بل السياسة. إذا تمكنت الحكومات في النهاية من الاتفاق على وضع لوائح صارمة للانبعاثات لجميع سفن العالم في قمة المنظمة البحرية الدولية لهذا العام، فستكون قد مهدت الطريق لنظام عالمي للتجارة أكثر اخضرارًا ونظافة، مدعومًا بمصادر الطاقة المتجددة الوفيرة. سيكون ذلك مفيدًا لكوكب الأرض والمحيط والبشرية.

*خوسيه ماريا فيغيريس هو رئيس كوستاريكا في فترة ما بين 1994 و 1998، وهو مؤسس Ocean” Unite” وعضو مجلس إدارة معهد روكي ماونتن.

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2020.
www.project-syndicate.org

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock