آخر الأخبارالسلايدر الرئيسيالغد الاردني

لاجئ سوري يروي لـ”الغد” قصته مع “قوارب الموت”

نادين النمري

أمستردام – “يعتقد البعض أن مجرد الخروج من منطقة الحرب واللجوء إلى أوروبا وحده كافٍ للتخلص من تبعات وآثار المعاناة، كنت اتهم بأني كثير التذمر، أيّا منهم لم يتفهم حقيقة الصدمات المتتالية التي تعرضت لها”.

هكذا يصف عبدالكريم البريم الشاب البالغ من العمر 24 عاما حاله، بعد لجوءه إلى ألمانيا.

والبريم، هو واحد من الاف الشباب السوريين الذين قطعوا البحر المتوسط هربا من الحرب في بلادهم الى القارة الأوروبية أملا في العثور على حياة أكثر أمنا واستقرارا.

يروي البريم لـ”الغد”، قصة لجوئه الى المانيا وذلك على هامش مؤتمر الصحة العقلية والدعم النفسي والاجتماعي في مناطق الأزمات الذي عقد في امستردام الأسبوع الماضي، ويقول: “كنت طالبا في السنة الأولى في الجامعة وقت استعرت نيران الحرب في مدينتي حلب، تعرض منزل عائلتي للقصف مرتين، في احداهما أصبت اصابة بالغة كذلك الحال لأخي، ليست الجروح الجسدية وحدها، الأسوا كانت الأثار النفسية، القلق، عدم القدرة على النوم والاكتئاب”.

مجموع هذه الظروف دفعت بالبريم في العام 2015 الى التفكير في قطع البحر المتوسط للجوء الى أوروبا، ليتجه الى تركيا ومن هناك يستقل قاربا ليصل الى شواطئ اليونان، إذ قال، “لم تكن التجربة كما تصورت، في الواقع كانت قاسية بمقدار الحرب، اذكر أنني التقيت بثلاثة أطفال منفصلين عن عائلاتهم يسعون الى الوصول الى أوروبا ليتم لم شملهم مجددا مع ذويهم، قررت أن أتولى مسؤولية رعايتهم لحين العثور على أهاليهم”.

وفي منطقة التهريب، يقول البريم، “كان هناك قاربان، الأول كان مليئا بالشباب أما القارب الثاني فكان يضم عائلات أكثر، اخترت أن أكون في قارب العائلات كي أبقى مع الأطفال، أبحر القارب الآخر أولا لكنه غرق في الماء بعد لحظات”.

وهنا، يقول البريم، “دب الذعر في نفوسنا، ارادت العائلات التراجع والعودة من حيث أتت، لكن المهرب أخرج سلاحا ناريا وأخذ يطلق النار مهددا بقتلنا في حال تراجعنا، فقطعنا البحر ونحن نشعر بالموت”.

ويضيف، “وصلنا الى سواحل احدى الجزر اليونانية، حاولنا السؤال عن الأشخاص الذين غادروا في القارب الذي سبقنا، بقينا نحو خمس ساعات بانتظار سماع أي أخبار عنهم، بعد ذلك تابعنا المسير، لاحقا سمعنا عن وفاة أحد الركاب غرقا، لكن لم نعرف شيئا عن مصير الباقين”.

وأكد البريم، أن “تجربة قوارب الموت بحد ذاتها صادمة ومؤلمة، لكن بعد الوصول الى المانيا تمكنت من ايصال الأطفال الثلاثة الى ذويهم، هذا بحد ذاته كان مصدرا للشعور بالراحة”.

وبعد وصوله الى المانيا، يقول البريم، “سكنت في أحد المخيمات الخاصة باللاجئين، هناك اشتدت حالة الارهاق النفسي لدي، استمرت اعراض القلق، التوتر، قلة النوم والاكتئاب، كان يعتقد البعض أني شديد التذمر، كانوا يقولون دوما أنت في أمان لماذا القلق والتوتر”.

وبحسب البريم، فإنه لم يكن يعرف أن ما يعاني منه هو صدمة نفسية، بل كان يعتقد انها مجرد اعراض جسدية كألم المعدة والرأس وقلة النوم، وقال، “معرفتي بالصحة النفسية في ذلك الحين كانت معدومة”.

بعد ذلك، يقول، “استمرت حالتي في التدهور الى أن التقيت بمتطوعة ألمانية نصحتني بمراجعة أخصائي نفسي لمتابعة حالتي، كانت التجربة سيئة جدا، خصوصا ان العلاج كان يتم عن طريق مترجم، كنت أشعر أن المترجم غير قادر على ايصال مشاعري للمعالجة، كنت أشعر أيضا ان بعض الأسئلة لم تكن لائقة أو مناسبة.. أوقفت جلسات العلاج النفسي وعدت الى حالتي السيئة، لكن بعد فترة عدت الى المشاركة في جلسات التدريبات الجسدية للتقليل من أعراض التوتر”.

ويؤكد البريم، أن “هذا النوع من التدريبات يعتمد على التدريب الجماعي واستخدام الصحة الجسدية كمدخل لمتابعة الصحة النفسية، تعلمي حينها للغة الالمانية ساهم بشكل أكبر في تعزيز التواصل بيني وبين الاخصائي النفسي”.

وبعد تعافيه من حالة تم تشخيصها “بالصدمة المتكررة”، التحق البريم ببرنامج تدريب مهني لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للاجئين القادمين من مناطق الصراعات والكوارث، ويقول، “أردت أن أساعد أي شخص يواجه مشكلة كالتي واجهتها، وأنا حاليا عضو في المجلس الاستشاري الوطني الخاص للاجئين في مجال الصدمات والادمان ونعمل في 8 مدن في المانيا”.

من جانبها، أكدت وزيرة التجارة الخارجية والتعاون الإنمائي الهولندي، سيخريد كاخ، أهمية تخصيص دعم واهتمام أكبر بالصحة العقلية والدعم النفسي والاجتماعي للناجين من الأزمات سواء الحروب أو الكوارث الطبيعية.

وتطرقت كاخ في كلمتها الافتتاحية، إلى دراسات أثبتت أن نحو خمس الأشخاص الذين يعيشون في مناطق الأزمات يعانون من اضطرابات تتعلق بصحتهم النفسية والعقلية، كما يعاني 40 % من الأطفال بمناطق النزاع من اضطرابات عاطفية حادة.

وأضافت أن المؤتمر يهدف من خلال التنسيق بين الهيئات الانسانية وهيئات الامم المتحدة بما فيها منظمة الصحة العالمية والمسؤولين من دول العالم الى جعل الصحة النفسية ضمن قائمة الاولويات في برامج الاغاثة في الكوارث والازمات.

أما رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بيتر مورير، فقد أكد على الأثر السلبي الكبير للأزمات على الصحة النفسية، مشيرا الى ان الاصابة باضطرابات نفسية يتضاعف بنحو 3 مرات اكثر في مناطق الكوارث والأزمات.

وأضاف، “المهم جعل التدخلات النفسية خدمات أساسية ورئيسة”، لافتا الى ما تعرف بظاهرة انتقال الصدمة او الاضطراب من جيل الى آخر في حال عدم توفير التدخلات اللازمة.

كما لفت مورير الى أهمية ايجاد برامج وتدخلات نفسية خاصة للاطفال، معتبرا ان التدخلات النفسية تعد استثمارا طويل الامد لحماية الاجيال الحالية واللاحقة.

وحول تأثير الصدمات النفسية على الأطفال، قال المدير التنفيذي لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” عمر عبيدي، إن “الصدمات تترك آثارا كبيرة على الأطفال واليافعين تمس قدرتهم على التعلم والتطور والاندماج الاجتماعي والذاكرة”.

وبحسب عبيدي، “يوجد حول العالم 350 مليون طفل يعتبرون من الأكثر ضعفا وهشاشة، معاناة هؤلاء الأطفال تزداد كلما ازدادت صعوبة الظروف المحيطة بهم”.

وأضاف، “رغم كل ذلك فإن الجيد أن هذه الصدمات من الممكن الوقاية منها ومعالجتنا وعلينا العمل جميعا لتحقيق ذلك وجعله أولوية”.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock