أفكار ومواقف

لا أتمنى لأميركا الانهيار

يتنبأ مؤرخون ومحللون وسياسيون وأشخاص عاديون بقرب نهاية الامبراطورية الأميركية، ويتخذون من الأزمات الدورية المالية والاقتصادية الحادة التي تعاني منها، والحروب الفاشلة التي تخوضها، وامتداداتها العسكرية المكلفة حول الكرة الأرضية، أدلة على ذلك أو علامات عليه، ومن ذلك أن عائدات الضرائب تتراجع، والموازنات تُقلّص، والقوى البشرية اللازمة للأمن العام والتعليم والصحة، تسرّح لدرجة أن الأمن- مثلاً- صار لا يستجيب لطلبات الحماية والتدخل ضد اللصوص والمعتدين لقلة القوى المتوافرة لديه، والقوارب الخاصة تهجر لتخلي أصحابها عنها لعجزهم عن دفع رسوم الميناء وأكثر من خمسين مليون أميركي يتلقون مساعدات طبية مجانية بسبب فقرهم الذي ازداد بنسبة 17 % منذ بداية الأزمة، وخمسين مليون يحصلون على قسائم الغذاء بزيادة قدرها 50 %، ونحو عشرة ملايين يتسلمون تعويضات عن البطالة، ونحو مائتي بنك انهارت، وأكثر من أربعمائة شركة أوقف تداول أسهمها في البورصة.
إن لأميركا تاريخين متقاطعين وهما: التاريخ الإبادي للهنود الحمر، والاستعبادي للأفارقة (السود) والعنصري نحو غيرهم، والاستعماري والعسكري التدخلي المدمر في بلدان أميركا الوسطى، واندونيسيا، وكوريا، وفيتنام، والعراق… وتبنيها للإرهاب الإسرائيلي، والتاريخ الديمقراطي الهرمي الفريد، الذي يتسع كلما هبطنا من الأعلى نحو القاعدة أو الجذور (Grassroots Democracy).
ان التاريخين معروفان ولا حاجة هنا للحديث عنهما، لأن موضوعنا هو: هل يمكن للصين أن تحل محل أميركا أو ان تتماثل بقية العالم مع الصين كما يتماثل مع أميركا؟
يرى جوزيف ناي -الأستاذ في جامعة هارفرد والمساعد السابق لوزير الدفاع الأميركي – في مقالة له العكس (مترجم في الغد في 14/8/2010)، عندما يقارن بين أميركا والصين فيقول:” … لن تتفوق الصين على الولايات المتحدة بصفتها القوة الرائدة على مستوى العالم في القرن الحادي والعشرين”. ويرجع ذلك – في رأيه- إلى “قدرة أميركا على جذب المهاجرين الأفضل والأكثر تألقاً من بقية بلدان العالم، ودمجهم في ثقافة متنوعة من الخلق والإبداع”.
ويضيف: “ربما تتمتع الصين بعدد أكبر من السكان الذين تستطيع الاستفادة من إبداعهم في الداخل، ولكن الثقافة الصينية المتمحورة حول الصين تجعلها أقل جاذبية لبقية العالم من الولايات المتحدة”. كأنه يريد القول: إن كل واحد في العالم مستعد لأن يكون أميركياً، أو يناضل للحصول على الجنسية الأميركية، لكنه غير مستعد لأن يكون صينياً، لأنه سيظل فيها مختلفاً، شكلاً، ولغة وثقافة، ويرى نفسه غريباً.
ويتابع ناي : تعود الهجرة إلى أميركا عليها بفوائد منها:
1 – تعويض شيخوخة السكان.
2 – تعويض النمو المتراجع للسكان (التي تعارضها الآن)
3 – زيادة مقدارها 6 % في نصيب الفرد من براءات الاختراع مقابل كل 1 % من المهاجرين خريجي الجامعات.
4 – يدير المهندسون المولودون في الصين والهند ربع الأعمال التجارية العالية التقنية في وادي السليكون التي بلغت مبيعاته 17.5 بليون دولار العام الماضي.
5 – ساعد المهاجرون المولودون في الخارج على بدء واحد من كل أربعة من المشاريع التكنولوجية الناشئة على مدى العقد السابق.
6- تضيف الهجرة إلى قوتي أميركا الناعمة والصارمة ولا تنتقص منهما.
7 – يستطيع كل مهاجر أن يتصور نفسه مواطناً أميركياً مما لا يمكن حدوث مثله في الصين لأن العديد من الأميركيين يشبهون بقية الناس في البلدان الأخرى.
8 – تساعد الصلات القوية بين المهاجرين وأسرهم وأصدقائهم في ديارهم الأصلية في نقل معلومات دقيقة وإيجابية عن أميركا.
9 – يعمل وجود ثقافات متعددة في بيئة واحدة على خلق سبل تواصل مع بلدان أخرى، وتوسيع آفاق المواقف الأميركية في عصر العولمة.”
وكان على “ناي” أن يضيف أو يلخص الفرق بعدم وجود أفق لمهاجر إلى الصين لأن سكانها يفيضون عن سعتها، بينما الأفق لا نهائي في أميركا الجاذبة والجائعة للمهاجرين.
أما دوبل ماكمانوس -المحلل السياسي الأميركي – في مقال له ظهرت ترجمة له في “الرأي” (10/10/2010) فيعتبر الصين بسكانها الألف وخمسمائة مليون نسمة خطراً على المنطقة والعالم، وبزيادتهم السنوية ولو بمقدار 1 % فإنهم سيفيضون على بلدان الجوار، وبخاصة بعد إقبالهم على الاستهلاك والرفاهية التي لا تستطيع موارد الصين الخاصة تلبيتها. لقد وصل الجنون الاستهلاكي في الصين عرض حقيبة يد نسائية مصنوعة من جلد التماسيح في سوق في مدينة (ريفية) بتسعة آلاف دولار! إن الهوة تتسع بين الأغنياء القلة والفقراء الكثرة وبين الأجيال أيضاً، فالجيل الجديد لم يعد يهمه التمسك بالهدف التقليدي للثقافة الصينية المتمثل في الانسجام (الكنفوشي) لأنه مشبع بالثقافة الغربية ولكن دون اهتمام بالديمقراطية”.

الكفة الأميركية ترجح
أما فيليب ستيفز(العرب اليوم في 3/2/2012) فيعلق على المقولات والتنبؤات التي ترجح تفوق الصين على أميركا وحلولها محلها فيقول: على الرّغم من مشكلاتها الحالية إلا أن أميركا تتمتع بميزة هائلة كونها أكثر القوى العظمى ثراءً واستقراراً. وهي الأكثر أمناً من الناحية الجغرافية ما لم يتخيل أحد أن تغزوها المكسيك أو كندا يوماً ما.
وأميركا تملك أفضل مقياس فردي للتنافسية، و28 % من جميع طلبات براءات الاختراع في العالم. ولديها 40 % من أفضل الجامعات في العالم، ولديها (ولعله الأهم) مجتمع منفتح إبداعي مرن يجعلها في موقع فريد للاستفادة من التقدم التكنولوجي”.
ويضيف ما معناه: إذا حاولت الصين التفوق على أميركا فإنها ستكون الخاسر الأكبر، لأنها تبدأ المسيرة فقيرة نسبياً، كما أنها غير آمنة جغرافياً، ولا تملك أي موارد طبيعية تقريباً، ويعتمد اقتصادها على الأسواق الغربية، وهي بحاجة إلى نظام دولي مستقر ومنفتح.
يتمنى كثير من العرب والمسلمين المكتوين بنار السياسة والعدوان الأميركية سرعة انهيار الولايات المتحدة، ويرون إشارات يعتبرونها دالة على ذلك وعلى قربه مثل الأزمات المالية والاقتصادية والمخدرات والعنف وحربيها في أفغانستان والعراق.
ومع أن الدول والامبراطوريات كالكائن الحي في النمو والحياة والموت، أي أن “الامبراطورية” الأميركية ستنهار يوماً، إلا أنه لا تلوح في الأفق دولة في العالم في قوتها الإقتصادية والعسكرية أو النظامية تستطيع أن ترثها وأن تحل محلها، وأن تغطي ما تغطيه من النشاطات. لا يوجد – مثلاًً- عملة قادرة على استيعاب الاقتصاد العالمي غير الدولار، ولا يوجد فعلاً دولة تستطيع أساطيلها تغطية جميع البحار والمحيطات ومنع انتشار القرصنة حول العالم غيرها “فلديها – مثلاً- 11 مجموعة من حاملات الطائرات وإلا تعطلت التجارة الدولية فيهما. لقد أثارت الصين ضجة كبيرة عندما دشنت أول حاملة طائرات لها من دون أن يكون أي طائرات على سطحها.
ولا توجد حرية وديمقراطية وإبداع وابتكار في بلد في العالم مماثلة لما هو متوافر منها في أميركا، على الرغم من عيوبها ونقدنا لها. كما لا توجد فرص لتحقيق الحلم أو الأحلام للمواطن والمهاجر في بلد في العالم مثلها. وإذا كانت من دولة ستحل محل أميركا في المستقبل البعيد فهي – كما أعتقد – البرازيل، لأن البرازيل دولة بكر تماماً ولم تأخذ فرصتها التاريخية بعد التي أخذتها كل من الهند والصين فيما مضى، لكن اللغة (البرتغالية) عائق.
في ضوء هذه الاحتمالات وإن كانت بعيدة فإن عيون الصهيونية وإسرائيل مفتوحة، وتعد العدة لعلاقات استراتيجية وبخاصة مع الصين (والهند) على أمل أن تعوض ما قد يحدث من تراجع في أميركا في تبنيها وحمايتها لها، وكأنها تعتقد أن أميركا عاجزة يوماً، أما هي فباقية.
والحقيقة أن مجمل الشعب الأميركي – لا ساسته وإعلامييه العملاء أو المأجورين والأذلاء – لإسرائيل ـ لا مثيل له في العالم من حيث الانفتاح والاستعداد للانصات والتعلـّم… وعندما يعرف الحقيقة فإنه يطير زرافات ووحدانا للوقوف إلى جانبها والدفاع عنها. وللأسف فإن النفوذ الصهيوني والمسيحي اليميني المتصهين يشكّل وعيه ويهيمن عليه ولا يتيح له معرفة الحقيقة، وإلا كيف يعيد انتخاب الجمهوريين الذين خرّبوا بيته ودمّروا اقتصاده بحروبهم في أفغانستان والعراق شخصاً جمهورياً نرجسياً كذاباً ونصاباً مثل دونالد ترامب؟!
إن انهيار أميركا أو انتهاء العصر الأميركي الذي أعلنته صحيفة “ديلي تلغراف” البريطانية قبل أعوام – إذا وقع بالفعل– يعني اضطراباً في العالم أجمع على مستوى الدول والمجتمعات وحتى الأفراد. وإذا لم تصدق تصور حدوث هذا الانهيار – الاقتصادي أصلاً – وتابعه بالتحليل والتفصيل تجد أنه لا عاقل يتمنى مثل هذا الإنهيار. ومن جهتي وعلى الرّغم من كل شيء أصابنا منها وما يزال فإنني لا أتمنى لأميركا الانهيار، كل ما أتمنى خروجها من الأزمة واسترجاع كرامتها المستلبة إسرائيلياً، واستقامة موقفها الدولي، وبخاصة من القضايا العادلة وعلى رأسها قضية فلسطين. لقد جعلنا ترامب ببلطجيته نفتقد أميركا ونسأل عن صحتها. ولكنني قد أغير رأيي إذا تحولت أميركا إلى دولة ترامبية الطابع بيوم من الايام.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock