أفكار ومواقفرأي في حياتنا

“لا أحد يتحدث معي”

.. وأضاف الطفل الإيطالي المجهول في رسالة مؤثرة علقها على شجرة أمنيات الكريسماس في مقاطعة أوديني “لا يريدون اللعب معي!”.
ضجّت إيطاليا كلها في فضائها الافتراضي الأزرق من كوكب فيسبوك إلى مدار تويتر، بحثاً عن ذلك الطفل التعيس للحديث معه، ومشاركته اللعب. ووفق الصيغة الإخبارية الكلاسيكيّة، فقد “باءت كلُّ محاولات العثور على الطفل الشقيّ بالفشل”. وظلّت الأمنية معلّقة على الشجرة مع رسوم لكنائس، وبرج لساعة، وأوراق ملوّنة. أعطيت الرسالة لخبير خطوط، واستنتج من مراقبة خط اليد أنّ الجملة كانت مكتوبة في البداية بالقلم الرصاص، ثم أعيد كتابتها بالقلم الجاف، ما يعني أنّ الطفل المسكين قد خشي أن لا تصل رسالته أو تُمحى، وهذا ألمٌ آخر!
أعرفُ أنّ في القصة كثيرا من “الدراما” والكآبة العربيّة، فالطفلُ سيكبر قليلاً ويصادق روبرتو ومورانو وماتيو، ويكون لهم موعد مقدّس كلّ أحد لحضور مباريات نادي أودينزي في ملعب فريولي الصغير، يرتدون هناك الأوشحة البيضاء والسوداء، ويصرخون من أمعائهم حتى يُهزم فريق العاصمة الشرس، وعندما يكبر الطفل المجهول أكثر وقبل أن تنتشر البثور الحمراء على جبينه ووجهه وكتفيه، سيقعُ في غرام جوليا التي لا تعرفُ شيئاً عن الحبّ، ويقرأ لها شعراً مُعذّباً كتبه دانتي العظيم لحبيبته المستحيلة، ولمّا يفكّرُ بالرباط المقدس سيُصادفُ عبر الانترنت فتاة برونزيّة تُدعى لورا، تعمل في دبي وتحبُّ الشمس، وهناك يكوّنان عائلة صغيرة في أجواء مستقرّة ودافئة.
لستَ وحيداً أيُّها الطفل المجهول. أنتَ تظنُّ ذلك لأنّ الأطفال لا يتوجّهون إليكَ بالحديث المباشر، لا يسألون عن نوع البيتزا الذي تفضّله، ولا يبدون أيّ اندهاش حين تضيفُ السكّرَ للقهوة الباردة، وقد لا يكترثون لرأيك الفنيّ الجريء في سلسلة أفلام حرب النجوم. إحساسكَ يا صغيري مبالغٌ به، وأخشى أنّكَ تحيل الأمر إلى خلل غير ملموس في النطق أو السمع أو البصر، وقد تتوهّم أنّ لكَ رائحة غير مستحبّة تطرد الناس من حولك. وعندما تكبر وتصبح قارئاً لأنّكَ وحيد، أرجو أن لا تستسلم لدراسات الانترنت الرديئة، وتؤمن أنّ الإحساس بالوحدة شعورٌ قدَرَيٌّ وجينيٌّ، وأنّكَ لا بدّ ستُنهي حياتكَ مبكراً مُعلّقاً بمروحة في السقف.
مرّت أيام قليلة ولم يكشف الطفل الشقيّ عن هويّته، رغم أنّ أمنيته تجاوزت حدود شبه الجزيرة الإيطاليّة، ورغم أنّ نداءات كثيرة صادقة أو كاذبة، أطلقها متعاطفون على صفحاتهم الزرقاء تدعوه لتبادل الحديث واللعب غير المحدود. ربّما ندم الطفل على أمنيته المعلّقة على شجرة الكريسماس، فتفادى حرج أبيه ودمع أمّه، وربّما شعر بسُخف وغباء ما أقدم عليه، خصوصاً أنه توقع أنّ تؤنّبه المعلّمة على ابتزاز مشاعر الناس، وقد تزيد عليها مفردة الاستجداء، أو ربّما خشي الطفل على وحدته من الكسر، وعلى الأغلب أنه قد تفهّم الأمر، وأدركَ أنه قد وُلِدَ في زمن التكاثر بالقبلة الإلكترونية!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock