أفكار ومواقف

لا أخاف من الدولة أبدا!

لا يخاف أحد من الدولة، ولا من القانون، وإلا كيف نفسر ما نراه كل يوم، عبر السنين الأخيرة، من استعمال السلاح وإطلاق النار، عند أي ظرف، وتفشي العنف الجسدي في تعاملات الناس، إذ كلما ضاق صدر أحدهم منك، أطلق النار عليك، أو قام بضربك إذا استطاع أن يضربك منفردا، أو مع ثلة من أنصاره وجماعته؟
العقل الباطني للناس يتكئ على أن أي مشكلة لها حل، فيصير الاعتداء سهلا، وبعدها تبدأ جاهات الصلح، ويصير مطلوبا من الضحية، أن تثبت كرم أخلاقها، وكرم اخلاق اهلها، فتتنازل عن حقها، إكراما للوجوه الطيبة التي تدخلت.
هذا نمط شهدناه بكل إبداع حتى بين المواطنين والمؤسسات، وكثيرا ما قامت مؤسسات رسمية باستقبال جاهة من اجل تطييب خاطر المؤسسة، نيابة عن الموظف الذي تم الاعتداء عليه، وهذا فتح مبين بحق، إذ تصير العطوات بين المؤسسات والمواطنين، بدلا من كونها نمطا اجتماعيا بين المواطنين، نعترف انه ساعد كثيرا، بحقن الدماء، وحل المشاكل، بدلا من تحولها إلى مشاكل اكبر.
في حادثة الاعتداء على الطبيبة روان سامي في مستشفى حمزة، غضب عارم في كل الأردن، جراء الاعتداء على امرأة، مثلما هو الاعتداء على طبيبة، لكن مهلا، لماذا صحونا الآن، وقد سبق هذه القصة، مئات الحوادث، ضرب الأطباء والممرضين، وتكسير اقسام الطوارئ في المستشفيات، ضرب المعلمين، تكسير المدارس، ضرب الشرطة، الاعتداء على دوريات الشرطة، إطلاق النار على مؤسسات حكومية، ضرب وزراء في مكاتبهم، ضرب نواب بعضهم البعض، قطع الطرقات، إحراق دواليب السيارات، وإغلاق شوارع حيوية، إطلاق النار على مراكز امنية.
هذا العنف، يسيء إلى سمعة شعب بأكمله، على الرغم من أن هذا الشعب، يشتهر بالتسامح، وإرثه التاريخي قائم على العفو والصفح، واذا كان الغضب في حالات كثيرة، يعبر عن حالة مؤقتة لها أسبابها، إلا أن رصد ظاهرة العنف، بشكل عميق يثبت وجود تحولات خطيرة في بنية المجتمع، ومن جهة ثانية الكل يحلل أيضا طبيعة الجرائم التي تقع في المجتمع، وكيف باتت بشعة جدا، الابن يقتل أمه، الأب يقتل ابنه؟.
إدانة حادثة الاعتداء على الطبيبة مفهوم، لكن ماذا عن الحوادث التي سبقت هذه الحادثة، وماذا عن الحوادث التي ستأتي بعد هذه الحادثة، وهل يسمح الغضب الاجتماعي الذي يبرره البعض بالفقر أو غياب العدالة، او حتى تطاول أعناق الناس على بعضهم البعض، وتطاول أعناق البعض على الدولة ومؤسساتها وقوانينها، بأن نصل إلى هذه الحالة التي لا يمكن قبولها وتبريرها تحت أي عنوان؟
أساس البلاء، يرتبط بشعور كل واحد فينا، أنه دولة بحد ذاته، وكل واحد فينا لديه صديق او قريب متنفذ يستطيع تخليصه، فإذا اشتدت المصيبة كان الحل عبر الوجهاء الاجتماعيين، الذين يصعب ردهم، والذين يحرجون المتضرر، المطلوب منه فوق الأذى الواقع عليه، إثبات حسن اخلاقه، وطهارة دم أهله، عبر مسامحة من اعتدى عليه، وكل مرة يحدث تسامح في بلدنا، لاعتبارات اجتماعية، تتولد فرصة جديدة، لاعتداء آخر، بعد أن عرف الجميع، كلمة السر، في الخلاص من الأزمات والمشاكل، بسبب القواعد الأخلاقية الطيبة المتوارثة بين الناس.
هذا الإرث الاجتماعي العظيم، والقواعد التي تشيع التسامح والعفو عند المقدرة، تتعرض إلى تهديد اليوم، بسبب إفراطنا في استعمالها لتغطية نزقنا أو العصبية أو الغضب أو الجرائم، وهي في الأساس موجودة لما هو أهم، لكن يتم تسخيرها اليوم، لمنح كل شخص فينا، حصانة لتغطية تجاوزاته على الآخرين، مع الإقرار هنا، ان هناك مشكلة أخرى اكثر خطورة، تتعلق بالتهاون في تطبيق القانون، من جانب الجهات المختصة، وبطء التقاضي، واشكالات الوصول الى الحقوق بطرق قانونية.
كأن المؤسسات لدينا، تقول لنا لا حل امامكم إلا الحل الاجتماعي، وهو حل بات يوفر مظلة لمن يريد ضرب طبيب أو معلم أو شرطي أو وزير أو إطلاق النار على أحد ساعة غضب، او لحظة سيطرة الشيطان، فتصير القصة، ان الشيطان ملعون، وان الانسان بريء، وانه لولا ابليس وجماعته، لما فعل كذا وكذا، والشيطان هنا مظلوم، إلى حد كبير، مقارنة بما يفعله الانسان، بحق نفسه وحق غيره، ويستحق ربما جاهة اعتذار، وعطوة اعتراف، عما نسبناه اليه، وهو من فعل أيدينا وحدنا.
لقد آن الأوان ان تعيد الدولة صياغة كل قوانينها، إزاء الاعتداءات اليومية، وإعادة صياغة الحل الاجتماعي الذي يعزز التسامح بيننا، لكنه بات وسيلة لتغطية كل هذا العنف، والاكتفاء لاحقا، بفنجان قهوة، مع تجديد الرخصة لمزيد من الاعتداءات.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock