أفكار ومواقف

لا أقول وداعا للغد

مضى على كتابتي في صحيفة “الغد” ما يزيد على أربعة عشر عاماً، وتراوحت الكتابة بين مقال وخمسة مقالات أسبوعيّاً. كنت قبل ذلك، وبالتوازي ، أكتب في صُحفٍ أخرى، بالعربية والانجليزية، قبل ان أقرر التوقف عن الكتابة في أي صحيفة باستثناء “الغد”، وذلك لرغبتي بإعطاء وقت أكبر للبحث والأكاديميا. كان اختيار “الغد”؛ من بين صحف أخرى، مهماً بسبب تميز جمهورها، وخطّها التحريري المُريح والممتع والمهم.
في الأوقات التي كتب فيها أربعة أو خمسة مقالات، “برمجت” نفسي على كتابة ثلاثة مقالات في الشأن العربي- الإسرائيلي، وذلك بناء على اتفاق مسبق مع هيئة تحرير الغد، وساعدت هذه الكِتابة في حفزي على الاستمرار بالاحتفاظ بسجل للأخبار، وقراءة الصحف الإسرائيلية وصحف عربية يومياً، وإدامة الاتصال مع العاملين في الشأن السياسي، وكان بعضهم يفاجئني، بالاتصال والتعليق. وكان يوم الأربعاء يوم مراجعة الدوريات العالمية المختصة، وشؤون النظام الدولي وما يحيط به من نظريّات وأفكار، ليكون مقال الخميس، قدر الإمكان، على تماس مع شؤون النظامين الدوليين، السياسي والاقتصادي، والنظرية. أما يوم الجمعة، فلا أزال أذكر يوم كنت قد قضيت ساعات في إعداد مقال سياسي عادي، مستمتعاً بالقراءة وتطوير الفكرة، عندما خطر لي أنّ أحد أهم بدايات مسيرة الكتابة والقراءة عندي، كانت مكتبة أطفال في جبل عمان، تتبع بشكل أو آخر جمعية أصدقاء الطفل، فكتبتُ مَقالا بِعنوان “روح عمّان مكتبة أم عماد”، عن عمّان الثمانينيات، وأعاد لي هذا المقال أصدقاء وصديقات زمن الطفولة والكلية العلمية الإسلامية، ودون تخطيط، في البداية، تحول مقال “الجمعة” للشأن السياسي الإنساني، وخصوصاً الفلسطيني والأردني. وقادني الأمر إلى جلسات على أرصفة مراكش في المغرب، مع شبان وشابات هناك، يروون لي كيف دخلت فلسطين حياتهم فشكلوا لجان تضامن، وأصبحت جزءا من بكائهم وفرحهم وحياتهم ونشاطهم، وفي مسارح وساحات كامبردج ولندن في نشاطات الشعر والغناء والتضامن. وبلجيكا، حيث يخلط أسرى محررون ومبعدو كنيسة المهد في بيت لحم، حديث الوطن بالإشارة إلى الشوكولاتا البلجيكية. بينما مقالاتي عن الكلية العلمية الإسلامية، ومؤسسة عبدالحميد شومان، وعمّان دفعت شباناً، بمن فيهن من خارج الأردن، لعشق جبل عمّان، وعمّان، وكان هذا وساماً أعتز به.
صرت أشعر أحياناً، وانا أكتب عن الثورة الفلسطينية بكلماتي، كأني كنت مع الذين كتبوها (كما يقول صديق فدائي) بأرواحهم وسواعدهم ودمائهم. وزاوجتُ السعي في الأرض الفلسطينية، من بيوت مناضلين حاصرت المستوطنات الإسرائيلية بيوتهم ومزارعهم، في مَسحة شمال الضفة الغربية، وللبن الشرقية وسطها، وبيت لحم والخليل جنوبها، وبين أشجار الزيتون المحاصرة، وفي قرى الخِيام (أحفاد يونس مثلا) المقامة في وجه الاستيطان، مع الكتابة عن الزمن الماضي. ومشيتُ مع شباب غزة، نتأمل غزة التاريخية الأثرية القديمة، كما شوارعها الحديثة وشعارات الجدران عليها، وأسماء عربات القهوة، وقصص القصف ليلا وكيف يتفاعلون معها.
كان فخرا لي أن دعتني، قبل أعوامٍ، عائلات شهداء يوم عيد الحب14 شباط (فبراير) 1988، قادة السريّة الطلابية، حمدي التميمي، وأبو حسن بحيص، ومروان كيالي، إلى تأبين لهم، في يطّا في الخليل، لأفاجأ، بمفاجأَتهم، أني لم أكن مع الشهداء، فقد ظنوني أكتب من الذاكرة. وفي مقهى في رام الله تقف فتاة وتبلغني أن مقالي عن حنا ميخائيل (أبو عمر)، دفعها لأخذ قرار العودة لفلسطين. جعلتني الكتابة في الغد، والتي كان مقالي فيها ينقل بعدة صحف ورقية والكترونية، أدخل عوالم كثيرة. كنت أحياناً أكتب مقالي في عواصم ومدن حول العالم، بدون كهرباء، وأعاني للعثور على “انترنت” لإرسال المقال في موعده، بعد ضبط عدد الكلمات. كتبتها بجهد ومشقة واستمتاع ودموع.
أجد وقد بدأت مهمة وعملا جديدين، في موقع لا تبدو فيه الكتابة المنتظمة في الصحافة ممكنة، لأسباب مهنية، وموضوعية، مختلفة ومتعددة، لذلك استأذنت “الغد” التوقف عن الكتابة المنتظمة، لصالح كتابات متفرقة، لا يمسها أي تضارب بين عملي وكتابتي. وعلى أمل أن تصبح الكتابات المتفرقة المقبلة أكثر نوعيةً، مع العمل على استمرار العلاقة مع جمهور “الغد” والصحف الأخرى بجمالها.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock