ترجمات

لا ألوم المحتجين الذين أضاؤوا بيروت بالحرائق -إنهم جائعون وفقراء وغاضبون

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

روبرت فيسك – (الإندبندنت) 20/10/2019

على كورنيش البحر حيث أعيش، كل مقاطع الشقق السكنية فارغة تقريباً. هذه المباني مملوكة كاستثمارات لعراقيين وسعوديين، بينما يعيش فقراء وادي البقاع في أكواخ.
* * *
كنتُ قد اعتقدتُ أن الأيام التي ركلت فيها الإطارات المحترقة لإبعادها عن الطرقات قد ولّت. قد اعتدت على تنظيف الطريق في بلفاست في العام 1972. ثم، في كثير من الأحيان، فعلت الشيء نفسه في بيروت.
لكنني كنت هناك بالأمس أيضاً، بينما انتظرني بصبر سائقي المخلص، سليم، بينما أصافح رجل الميليشيا المحلية وأشرح السبب في أنني أردتُ الوصول إلى الدامور (حوالي 12 ميلاً جنوب بيروت) وألوح ببطاقة الصحافة اللبنانية الصغيرة في وجهه، واستخدم ببطء أفضل حذاء بُنّي لدي لأدفع إطاراته المحترقة وأبعدها عن الطريق السريع.
كانت ساخنة. وجعل مجرد إلقاء نظرة على النيران عينيّ تؤلمان.
هذا ما يفترض أن تفعله الإطارات المحترقة، بطبيعة الحال. والسائقون اللبنانيون العالقون في طابور خلفنا، استداروا وعادوا إلى منازلهم.
حسنًا، لقد عبرنا. ومضينا في السيارة ومضينا ومضينا، وضحكنا من أننا قد فعلناها. لكن هذا كان شأناً جاداً للغاية. بقي الجيش بعيداً؛ ونصحت الشرطة سائقي السيارات بالعودة إلى البيت. القانون والنظام -هل تتذكرون تلك الكلمات القديمة؟- كانت أقل أهمية من الحق القانوني في الطريق. لكنننا مارسنا، لساعات عدة، أنا وسليم، حقنا الخاص في الطريق.
في جزئهم الأكبر، كان الرجال الذين يشعلون هذه الحرائق ينتمون إلى حركة أمل، المجموعة الشيعية التي يسيطر عليها نبيه بري، رئيس البرلمان اللبناني. أو هكذا أخبروني، ولم أجادل في ذلك.
يحكي هذا أيضاً قصته الخاصة. كان البعض فقراء للغاية، وأنا لا ألومهم حقًا على تصرفاتهم. لم يكن لبنان أبداً أمة ثرية جداً -باستثناء التجار السُّنيين والمصرفيين المسيحيين- وكان هؤلاء أناساً ليس لديهم ما يكفي ليأكلوه. لأيام عدة، كانوا يحتجون على مصيرهم. وقد انخفضت قيمة الليرة اللبنانية، وارتفع سعر الغذاء -كل هذا صحيح، أؤكد لكم- وقد احتجوا.
لم يفاجئني الأمر، ولكن كان هناك شيء جديد ومدهش في هذا. طوال هذا الأسبوع، احترقت جبال لبنان. وأزهر مجدهم الكبير المتجسد في أشجار الصنوبر وسفوح جبالهم الرائعة بالنيران. كانت مروحيات الحكومة الثلاث المضادة للحرائق متروكة لتتعفّن في مطار بيروت الدولي -لم تقم الحكومة بصيانتها- ولذلك احتاج البلد إلى اليونان وقبرص والأردن لإرسال طائراتهم لإخماد النار في التلال المحترقة. وقد امتلأت شقتي على الواجهة البحرية لبيروت برائحة الدخان. وفي ليلة الأربعاء، زار الله لبنان -وهو يأتي إلى هنا من حين لآخر، كما اختبرتُ- وغمَر البلد بالمطر والعاصفة. وفي صباح يوم الخميس، كانت شرفتي مغطاة بالرمل والرماد.
لكنّ ثمة شيئاً أكثر خطورة يحدث هنا. الغضب الفيزيائي المتجسد للشعب اللبناني ليس مجرد فورة مليشيا. إنه ليس لأن الناس العاديين جائعون -وهم كذلك- ولكن بسبب نظام غير عادل (الضرائب المتزايدة بلا توقف، والأسعار المتصاعدة باستمرار) والذي يجعل من المستحيل العمل لجلب النقود والطعام إلى البيت.
اسمحوا لي أن أطرح مسألة صغيرة واحدة فقط. على الواجهة البحرية للكورنيش، حيث أعيش -شارع باريس، كما قرر أن يسمّيه الانتداب الفرنسي في العشرينات من القرن الماضي- كلُّ مقطع من الشقق السكنية هناك فارغٌ تقريباً. وباستثناء أولئك الذين يتشاركون المقطع السكني الصغير الذي أسكن فيه، لا يوجد شيء سوى الظلام. ويمكنك أن تقود سيارتك من وسط المدينة، على بعد أميال إلى وسط بيروت، ولن تجد ضوءاً واحداً. هذه المباني مملوكة كاستثمارات -لعراقيين في الغالب، وإنماً أيضاً لسوريين وسعوديين- ولا أحد يعيش هناك.
في بلد يعيش فيه فقراء وادي البقاع واللاجئون من سورية واللاجئون الفلسطينيون (الذين لم نعد نتحدث عنهم، بطبيعة الحال، بما أنهم حطام الدولة الإسرائيلية) في أكواخ، تقف هذه النُّصُب القوية الحارسة للمال منتصرة : فارغة، غنية، ومُخجِلة.
لذلك، أخشى أنها ستكون لدينا المزيد من الإطارات المحترقة على الطريق.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: I don’t blame the Lebanese rioters setting Beirut alight – they are hungry, poor and furious

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock