أفكار ومواقف

لا استرضاء ولا إقصاء

لا سياسة الاسترضاء التي تتبعها حكومة عون الخصاونة مع الإسلاميين مقبولة، ولا نهج الإقصاء والاستهداف الذي تتبعه دوائر الأمن ضدهم يحل المشكلة أو يحدّ من نفوذهم. كلا الخيارين جُرّب من قبل، ولا حاجة للتذكير بالنتائج فهي معروفة للجميع وماثلة أمامنا اليوم.
الاسترضاء لطرف دون غيره يؤدي بالضرورة إلى استعداء الأطراف الأخرى، بصرف النظر عن حجمها وتأثيرها، ويعيق جهود بناء التوافق الوطني في هذه المرحلة الحساسة.
وإذا كانت سياسة الاسترضاء في التعيينات والخدمات من طرف الدولة مرفوضة، فهى غير مقبولة أيضا في العلاقة مع القوى السياسية. والطرف المستفيد من سياسة الاسترضاء في العادة لا يقف طموحه عند حد، ولن يكون بوسع الدولة أن تلاحق طلباته.
والإقصاء سياسة مدمرة، ترفع منسوب التوتر في المجتمع، وتدفع نحو الصدام وتقوض جهود الإصلاح، وفي حالة الأردن تعرّض السلم الأهلي للخطر. وعندما يكون الإقصاء ضد أكبر تنظيم سياسي وحزبي، فإن عواقبه تصيب الجميع.
بالنسبة للحركة الإسلامية هي في الحالتين مستفيدة. الاسترضاء يجلب المنافع والشاهد الأخير على ذلك استعادة جمعية المركز الإسلامي بعد حادثة المفرق، ومن قبل عودة الخطباء إلى عدد من المساجد. والإقصاء يدر شعبية إضافية كما تدل مؤشرات مسحية؛ فالطرف المستهدف يحظى عادة بالتعاطف والتضامن. لقد حدث هذا مع الحركة الإسلامية في مصر قبيل سقوط نظام مبارك، وترك أثرا ملموسا في النتائج التي حققها مرشحو الحركة الإسلامية في انتخابات مجلس الشعب. وإذا ما استمرت سياسة الإقصاء بحق الحركة في الأردن، فسنرى وضعا مشابها في الانتخابات النيابية المقبلة.
ما من قوة سياسية منظمة في الأردن تستطيع منافسة الإسلاميين الآن؛ فهل من الحكمة أن تتدخل الدولة للعب دور القوة المنافسة؟
خلال العقود الماضية، اعتمدت الدولة هذه المقاربة، وفي أحيان عملت على تحفيز وتشجيع قوى جديدة لمنافسة الإسلاميين في الشارع. لكن تلك المحاولات لم يكتب لها النجاح لأسباب كثيرة.
الوضع بعد الربيع العربي تغير تماما، ويفترض بالدولة التي اختارت الطريق السلمية للإصلاح كالأردن أن تطور مقاربات جديدة تصوغ بموجبها معادلة مختلفة للعلاقة مع القوى السياسية والاجتماعية في البلاد، تتجاوز صيغ الماضي وسياساته.
وفي اعتقادي أن مخرجات لجنة الحوار الوطني تشكل أساسا مناسبا للمرحلة الجديدة. وقد ارتكب الإسلاميون خطأ فادحا عندما رفضوا المشاركة فيها، وعليهم اليوم أن يصححوا الخطأ بإعلانهم قبول نتائجها، خاصة ما ورد من مبادئ أساسية في الديباجة، والضغط على الحكومة للالتزام بتوصياتها.
البديل الوطني من سياسات الاسترضاء والإقصاء التزام الدولة بخطة عاجلة للإصلاح، عنوانها الأساسي إجراء انتخابات نيابية قبل نهاية العام الحالي، وتهيئة البيئة السياسية أمام القوى الصاعدة في المجتمع للمشاركة في الانتخابات، وتوجيه النقاش العام في الأشهر الفاصلة نحو التحديات التي تواجه الأردن على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ليكون الموقف منها هو الأساس للحكم بالنسبة لجمهور الناخبين.
توسيع دائرة العملية الديمقراطية كفيل بجذب لاعبين جدد وجمهور جديد، وذلك يغني الدولة عن سياسة الاسترضاء والإقصاء، والتفرغ لدور الحكم والموجه.

تعليق واحد

  1. الاسترضاء والاقصاء يؤديان الى هدف واحد .
    كل القوى المعارضة في الدول العربية هي صنيعة الغباء الذي مارسته هذه الدول ضد هذه القوى,فهل يعلم من كان يعتقل احد خطباء الجمعة بعد انهائه لخطبة نارية انه بفعله هذا قد جعل منه بطلاً وملأ له صندوق الاقتراع بأصوات الناخبين؟بصراحة,أصبحت اشك ان الغباء الذي اشرت له انا اعلاه,هو منتهى الذكاء ,وأن في الامر خدعة,وأن الامر مرتب بمنتهى الحذاقة والأنأة ليصب في النهاية بهذا الأتجاه,أتجاه خلق معارضة منظمة يسهل التعاطي معها محليا بعد ان سهل التعاطي معها خارجيا,وتم التوصل معها الى تفاهمات لتسليمها الجمل بما حمل وما توجه رموز من هذه المعارضة(العابرة لكل الدول العربية)لمخاطبة الايباك في عقر دارها في اميركا الا لوضع اللبنة الاخيرة في مدماك هذه التفاهمات .

  2. رماديّة الدولة
    سياسة الإقصاء ستمنح الإسلاميين مبررات شرعية مجانية كما ذكرت لاستدرار تعاطف الناس وبالتالي انتخابات محسومة نسبيا ولأسباب عاطفية وانفعالية ومبنية على صفرية العلاقة مع الحكومة لصالح الإسلاميين، والاسترضاء يجعل المطالب بلا سقف، أي أنه يجعل رضا "المُسترضى" غاية لا تُدرك! ولكن البديل لا يمكن أن يكون الانتخابات المبكرة وحدها، العلاقة الواضحة بين الدولة/ الحكومة والتيارات السياسة المحكومة بمصالح كل طرف على حساب المجموع ليست علاقة نزيهة ولا يمكن تبريرها بأن السياسة هي فن الممكن، فالعلاقة تتجاوز السياسة إلى ما هو أبعد وأهم وأعم وأشمل ولا أعتقد أن السياسة هي الدائرة الكبرى وإن كانت كبيرة جدا..
    الانتخابات بنفس العشوائية وعدم الوضوح الذي تتم فيه كالعادة سوف تمنينا دائما بالنتيجة نفسها! ونبقى ننتخب مجلسا ونحلّه!!
    توضيح الحدود والتوقعات وبرامج العمل القابلة للتطبيق والقياس ومراعاة درجة معقولة من المرونة المرتبطة بظروف الدولة والشعب والتيارات، والحزم في تنفيذها والالتزام بها في إطار مهني يضمن حقوق وواجبات كل طرف برأيي هو الأهم .. أعتقد لو رأينا "حلمة أذننا" فإن حكومات عربية وتيارات سياسية عربية وتحديدا إسلامية لا يمكنها فعل ذلك!
    نحن بحاجة إلى دولة تعرف ماذا تريد وكيف تفعل، العلاقات المحكومة باللون الرمادي نتيجة عدم القدرة على الحسم وعدم وضوح الحدود والبرامج والأولويات على الأرض ستبقينا في هذه الحلقة المفرغة من الجذب والشد والمواطن آخر من يُخدم في هذه المعادلة!

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock