أفكار ومواقف

لا تذهبوا إلى هناك

الأخبار حول حالات الاعتقال الأخيرة، والضيق بحرية التعبير بما فيها تلك التي تتم بشكل فردي أو بواسطة الهواتف المحمولة، إنما تحمل مؤشرات خطيرة على مدى عافية الدولة في ربع الشوط الأخير؛ بعد أن استطاعت احتواء تداعيات “الربيع العربي”، واستطاعت التعامل بكفاءة مشهود لها مع الحراك الشعبي. فتصاعد المعالجة الأمنية بهذا الشكل، يضع الدولة في زاوية ضيقة، لن تفيد حتى في مسعى استعادة “هيبة الدولة”، ولا تؤسس لدور القانون وقوته.
المعالجة الاستفزازية تزيد من ردود الفعل الاستفزازية. فإذا كانت الدولة قادرة في لحظة ما على ضبط أعصابها، فإن الشارع قد لا يملك تلك القدرة.
المشهد السياسي تجاوز حدود المعارضة التقليدية والقوى الفاعلة ضمنها، كما تجاوز في بعض المظاهر الحراك الشعبي  نحو ظواهر وأشكال من الاحتجاج العميق، بعضها جديد لم يألفه المجتمع الأردني، وبعضها الآخر متكرر ويشكل تراكمه جرس الإنذار الأخطر. علينا أن نراقب المنحنى المتصاعد لأشكال الاحتجاج الفردي الغاضب، والتي تطورت بشكل مدهش من دون تخطيط أو عمل جماعي منظم خلال العام الأخير، على الرغم من كل مؤشرات تراجع الحراك الشعبي المنظم والجماعي.
في الوقت الذي تتصاعد فيه موجات رفع الأسعار وبعض السياسات الاقتصادية تحت عناوين إصلاحية، يجب أن تكون ذائقة الدولة أوسع، وقادرة على استيعاب الجميع والتعامل الإيجابي البناء لتمرير الظروف الطارئة. فلا يمكن تصور سياسات اقتصادية قاسية مع تضييق على الحريات، وتراجع مساحات المعالجة السياسية.
السؤال الحرج اليوم: هل تستطيع الحكومة مخاطبة الشارع وتطوير لغة سياسية يفهمها؟ وهل تتوفر بين يديها أدوات أو أوراق قادرة على الرهان والمناورة من خلالها، وتحديدا في مسائل رفع الأسعار أو الإفراج عن المعتقلين، أم سننتظر أشكالا أخرى من الاحتجاج تُحدث الفرق؟
التلويح بقوة القانون من دون أن يؤسس ذلك لدور فاعل وحقيقي للقانون، كما هي الحال في التعامل الانتقائي مع الإصلاحات، هو منهج لا يصلح لإدارة البلاد وإخراجها من حالة فقدان الوزن والاتزان، في لحظة من أكثر اللحظات التاريخية كثافة في مصادر التهديد الداخلية والخارجية، فلا بد أن يُدعم بإرادة سياسية لتأسيس غرفة عمليات لجراحة وطنية عميقة.
الناس تنتظر أفعالا على الأرض؛ فقد أرهقتنا النخب بسجالاتها التي حصرت الإصلاح السياسي بالانتخابات والأحزاب، وأغفلت أن حق الناس في حكم رشيد وتنمية عادلة هو جوهر الإصلاح السياسي. إضافة المزيد من الأسباب للاحتقان لا تفيد إلا بالمزيد من أشكال الرفض والاحتجاج التي لم نألفها؛ فلا تذهبوا إلى هناك.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock