أفكار ومواقف

لا تظلموا ترامب

العالم أجمع تقريباً غاضب من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعد توقيعه على القرار التنفيذي الذي يمنع دخول مواطني (أو للدقة، وبالمفهوم القروسطي، “رعايا”) ست دول عربية وإيران، إلى الولايات المتحدة الأميركية، سواء كلاجئين أو بموجب تأشيرة دخول (فيزا) أو إقامة دائمة سارية المفعول.
والحقيقة أن العالم لا يجب أن يكون غاضباً من مضمون القرار، بل من صراحة ترامب، بل وحتى صدقه، مقارنة بفترة سلفه “الديمقراطي-التقدمي” باراك أوباما.
إذ بحسب الإحصاءات الرسمية لوزارة الخارجية الأميركية، المنشورة على موقع “مركز اللاجئين” (Refugee Processing Center) التابع للوزارة، بلغ عدد اللاجئين الذين تم استقبالهم في الولايات المتحدة من كامل منطقة “الشرق الأدنى وجنوب آسيا”، منذ العام 2011 (عام انطلاق “الربيع العربي”) وحتى نهاية عهد أوباما العام 2016، ما مجموعه 182.199 لاجئاً. ويمكن ببساطة مقارنة ذلك بأعداد اللاجئين في أي دولة من دول المنطقة التي يقل حجم أغلب اقتصاداتها في أفضل فترات تاريخها كله عن حجم اقتصاد كثير من الولايات الأميركية.
باختصار، لا تعدو سياسة ترامب -وليس في قضية التعامل مع شعوب المنطقة فقط- أن تكون سوى استمرار لسياسة أوباما، بعد نزع كلمات أوباما البليغة والجميلة عنها، واستبدالها غالباً بالإهانة والإذلال العلنيين.
ومثل هذه الصراحة التي لا يُلام عليها ترامب تبدو في تمييزه بين اللاجئين والمهاجرين من المنطقة على أساس ديني، لتُعطى الأولوية لأبناء الأقليات. فهنا أيضاً لا يمكن لترامب –وهو الفخور بكل ما يفعل، بغض النظر عن رأي كثير من مواطنيه قبل مواطني وقيادات دول أخرى- ادعاء الأسبقية لسوء حظه! إذ هو، ابتداء، يواصل سياسة أميركية غربية راسخة، ظهرت جلية تماماً في عهد أوباما؛ بالتباكي على الأقليات والتدخل لحمايتها هي وحدها إن تقاطع ذلك مع المصالح الأميركية والغربية. أما الأهم من ذلك، فحقيقة أن ترامب ينسجم بتمييزه الذي أزعج العالم ولو رياء، مع سياسات أنظمة عربية تدعي القومية العلمانية.
فاليوم، يقول نظام بشار الأسد مثلا، ويردد شبيحته من بعده، إنه هو حامي الأقليات؛ أي بما يفرض على العالم الصمت -على الأقل- عن كل جرائمه بحق الأغلبية، إن لم يكن مباركة هذه الجرائم وإمداده بكل ما يلزم لتنفيذها بوقت أسرع، على أوسع نطاق!
أخيراً، والأهم، فقبل لوم ترامب علينا أن نسأل عن المسؤول أصلا عن تحويل شعوب عربية كاملة إلى لاجئين ومهاجرين غير شرعيين، يجازفون بحياتهم وفلذات أكبادهم للوصول إلى أوروبا وأميركا وكندا وسواها من بلدان سيادة القانون قبل الرفاه الاقتصادي-الاجتماعي! وقبل أن ينبري المدافعون عن الاستبداد والفساد للرد بـ”نظرية المؤامرة الكونية”، فإن عليهم تذكر أن حلم الهجرة لخيرة عقول العرب بدأ قبل “الربيع العربي” بعقود، أي حين كانت أنظمة الاستبداد والفساد تنعم بكل خيرات التعامل والتواطؤ مع الغرب. كما عليهم تذكر غبطة أسيادهم الآن لمجرد إمكانية تقبلهم ممن يفترض أنهم متآمرون صهاينة عليهم.
لا تظلموا ترامب بأن تلوموه على أحدث “إنجازات” الاستبداد والفساد العربيين.

تعليق واحد

  1. سلمت
    سلمت ايها المجاهد بقلمك وفكرك ، وأكثر الله من أمثالك

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock