آخر الأخبار حياتناحياتنا

لا تكن عدو نفسك

ترجمة: أفنان أبو عريضة

عمان- لطالما تعجب طبيب واختصاصي علم النفس آرثر بروكس من سؤال يتكرر على ألسنة مرضاه: كيف أجد ذاتي؟ ولوقت طويل لم يستطع بروكس فهم القصد من السؤال، كيف يجد الإنسان ذاته؟ بأن ينظر في المرآة!
لكن مع مرور الوقت، أدرك الدكتور بروكس شيئاً، وهو أن هناك فجوة كبيرة بين الواقع والصورة التي يرى الناس أنفسهم عليها.
عندما يقوم الإنسان بطرح سؤال “كيف أجد نفسي؟”، فذلك يعني حقيقة: “لا أعرف من أكون”، والسبب وراء عدم معرفة الأفراد لما يكونون هو في الغالب بسبب تقلص هوياتهم إلى صفة جوهرية واحدة، سمة واحدة، ميزة واحدة يريدون الاتصاف بها دوناً عن غيرها، ويرجعون إليها كمصدر ذواتهم. بمعنى آخر، يقومون بتجريد ذواتهم، وفق ما نشر على موقع “ذا أتلانتك”.
قد تتساءل كيف يمكن أن يقوم شخص بتسليع ذاته، ببساطة قد تفعل أنت ذلك دون أن تدرك، وذلك عندما تقوم برؤية نفسك بشكل سطحي أحادي الأبعاد. فمثلاً قد تكون شخصاً جذاباً وجميلاً والجميع يؤكد ذلك، ويكون هذا هو مصدر التقدير والانتباه لديك والذي يصبح بالتالي مصدر ثقتك بنفسك، الذي يرجع في النهاية إلى جاذبية شكلك الخارجي. هذا في الحقيقة هو قيامك بتسليع ذاتك بنفسك وتحويلها إلى نسخة أقل جودة وقيمة. قد تكون في هذه الحالة قد فزت بإعجاب الآخرين لك، لكن في الحقيقة ليس كذلك.
وتقول المعالجة النفسية الدكتورة شيفالي “إننا كبشر كنا في طفولتنا أقرب ما نكون إلى فطرتنا، وبالتالي إلى حقيقة ذواتنا دون أي إضافات. وكأن المرحلة التي تليها، تهذبنا من قبل الأهل والمجتمع، هي مرحلة خروج جنين ذواتنا إلى العالم الخارجي. وبطبيعة الحال في هذه المرحلة يفقد غالبية البشر ذواتهم الفريدة ليصبحوا جزءاً من الجماعة”.
وسرعان ما ندرك في الحياة أنه لنحصل على الحب والقبول والتقدير، علينا أن نندمج كلياً في النظام العام وأن نواكب ما هو متوقع منا كأفراد. وهنا تنتج لدينا ردة فعل سيكولوجية لا واعية: يتشكل الأنا؛ أي الصورة الكاذبة عن الذات.
وتصف شيفالي هذه الظاهرة بقشر البيضة، إذ إنها ضرورية لنمو الدجاجة تماماً كما هو ضروري اندماج الفرد في المجتمع. لكن الدجاجة لن تستطيع النجاة إن بقيت القشرة تحكمها، وكذلك قد يسبب الاندماج الكلي في الهوية الجمعية إلى قتل هوية الإنسان الفرد. فالأنا عند الإنسان هي قشرة كاذبة تحيط بالذات ليحصل على حب مشروط وقيمة هشة. وعندما يصطدم الأشخاص بعدم الرضا والإحباط المستمرين في حياتهم، يكون هنا الأنا الزائف غير قادر على الصمود على أرض الواقع أكثر من ذلك، فينهار الفرد. قد يكون هذا الاصطدام مدخل الإنسان إلى إنعاش ذاته، لكنها تبقى أكثر المراحل ألماً وعناءً في حياة الإنسان.
وتصف شيفالي كيفية تمييز شخص يقوم بتسليع ذاته، فتقول إن أشخاصاً كهؤلاء عادةً ما يملؤون حديثهم بالضمير “أنا”، ويكونون في حالة توتر دائمة ويدفنون الكثير من الغضب ويميلون إلى الهوس في التحكم بكل صغيرة وكبيرة، ويستعملون لهجة مليئة بالوعيد وبالأخص مع أطفالهم. ويغطي هؤلاء شريحة كبيرة من الناس الذين في غالبهم يصلون إلى هذه الحالة بسبب عدم توافق الواقع مع توقعاتهم. فهم يرون أنفسهم أحقاء بمطابقة الواقع لآمالهم وطموحاتهم، وعند مقابلتهم الحقيقة وجها لوجه ينتهون بمقت أنفسهم وواقعهم وكل من فيه.
ويقدم الدكتور بروكس وسيلة ذاتية لمساعدتك على التوقف عن التقليل من ذاتك: أولاً، عليك كتابة قائمة بجميع صفاتك التي تتمنى لو أنها مختلفة. خذ وقتك وكن صادقاً مع نفسك، قد تكون تتمنى لو أنك أقل وزناً أو أكثر غنى أو أنك مضحك أكثر أو أكثر نجاحاً أو جمالاً أو حضوراً. اجعل من القائمة صورة الشخص الذي تتمنى أن تكون.
الخطوة الثانية، هي مرورك بكل صفة على القائمة وقم بطرح هذين السؤالين على نفسك: لماذا تريد أن تمتلك هذه الصفة؟ لماذا تتمنى لو أنك كنت أقل وزناً؟ لتحظى بمظهر أجمل؟ لتجد شريك حياتك؟ ليحبك الناس أكثر؟ لماذا تريد أن تكون أكثر نجاحاً؟ أكثر نجاحاً من ماذا؟ بالتأكيد أكثر نجاحاً من غيرك. هل ترغب في أن يطمع الآخرون بما لديك؟ كن صادقاً مع نفسك. لماذا ترغب في كل واحدة من الصفات على القائمة؟ ثم اسأل نفسك هل تحب هذه الدوافع؟ هل أنت فخور بهذه الدوافع؟
ثالثاً، تخيل أنك أخيراً امتلكت جميع ما على القائمة، ما التغيير الذي سيطرأ على حياتك؟ هل ستصبح أكثر سعادة؟ كم ستكون أكثر سعادة لو امتلكت مالاً أكثر أو كنت ممتعاً أكثر أو كنت اجتماعياً أكثر؟ معرفة ذلك تتطلب منك أن تربط هذه الرغبات بما تعتقد أنها السعادة الحقيقية، هل يتوافقان؟ فمثلاً هل ترغب بأن تكون أكثر جمالاً وجاذبية لاعتقادك أنك ستفوز بحب أحدٍ ما؟ إن كان ذلك صحيحاً، هل سيجعلك ذلك أكثر سعادة؟
رابعاً، كما تعلم فإنه لتحقق ما على القائمة من صفات ترغب في تغييرها في نفسك، ستحتاج إلى الكثير من الإمكانيات والجهد والوقت والمال وربما قد تضطر إلى تغيير طبيعة علاقاتك مع من حولك والعديد من التغييرات الجذرية الأخرى. قم بسؤال نفسك: هل أنت مستعد للتنازل عن كل ذلك لتحقق ما ترغبه لنفسك؟ فمثلاً: هل أنت على استعداد للمجازفة بعلاقاتك المقربة في سبيل تكريس نفسك لعملك لتحصل على النجاح الذي تحلم به؟ هل ستكون التضحية في محلها بنظرك!
الآن، قم بالتفكير في من أنت حقاً، ما صفات هذا الشخص أمامك كما هو عليه في الواقع؟ هل كان كل ذلك الوقت المهدر في مقارنة نفسك بالآخرين ذا منفعة وقيمة؟ أم كان فقط سبيلاً مستمراً نحو الإحباط وكره الذات. ولتحصل على أكثر وصفٍ دقيقٍ لنفسك، قم بانتزاع تلك الصفات الكاذبة عنك؛ تلك الصفات التي ليست جزءاً منك، أليست كذلك؟ اقتطع هذه الإضافات لأنها ليست إلا تجسيد حقيقة أنك لست مرتاحاً مع ذاتك الحقيقية بل وتهرب منها.
انظر إلى تلك القائمة الآن، وامرر على كل رغبة تلو الأخرى معلناً استقلالك عنها، تلك الرغبات المنبثقة عن دوافع ليست تشبهك ولا تحفزك. وأخيراً، استمر على ذلك لمدة أسبوع متواصل، وراقب شعورك في صباح كل يوم جديد من تحرير نفسك من كرهك لذاتك. ذلك حتماً سيجعل منك إنساناً أكثر حقيقية ومصداقية وحرية وبلا شك أكثر سعادة.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock