أفكار ومواقف

“لا توظفوا العرب”

ذكرت صحيفة يوم حداش (يوم جديد)، وهي صحيفة يومية للمتدينين اليهود الأرثوذكس، أن الحاخام حاييم كانيفسكي (أحد أبرز رجال الدين في إسرائيل) أعطى نصيحة أو لنقل أصدر فتوى بأن لا يوظف اليهودُ العربَ الفلسطينيين. كان الأمر سيكون عاديا لو أن هناك مبررا اقتصاديا وطنيا له علاقة بالاقتصاد الإسرائيلي، أو أن هناك بطالة بين صفوف اليهود ما يستدعي منحهم الأولوية، أو أن للحاخام حاييم كانيفسكي موقفا أخلاقيا ينتقد فيه الاستغلال وإعطاء الفلسطينيين أجرة أقل بكثير من نظرائهم من الإسرائيليين.


هنا الوضع مختلف. فالدافع لمثل هذه الفتوى الدينية متعلق بالعملية التي نفذها أحد الفلسطينيين ضد مركاز هراف في القدس قبل اسبوعين. لذلك أصدر الحاخام قرارا دينيا يمنع فيه توظيف العرب لأن اليهود، على حد تعبيره، في حالة حرب مع العرب. بالتالي يريد الحاخام أن ينقذ حياة أكبر عدد ممكن من اليهود عن طريق عمل استباقي يقضي بعدم توظيف العرب في المؤسسات الإسرائيلية.


ومن السهل إيجاد نصوص دينية في التوراة يمكن تفسيرها لصالح إنقاذ اليهود بأي ثمن. فمثلا هناك تعبير ورد في التوراة هو “بيكوخ نفش”. وهذا يعني أن حقن الدم اليهودي أمر مقدس ومن ثم يجب أن تقدم النفس اليهودية على أي شيء آخر. لذلك وافق الحاخام يوسيف عافوديا (الأب الروحي لحركة شاس) على عملية أوسلو مستندا على هذا التعبير ومقدما بالتالي سلامة النفس اليهودية والدم اليهودي على الاحتفاظ بالأرض.


من السهل إدراك موقف الحاخام حاييم كانيفسكي لو أنه خرج من فكره الأيديولوجي والثيولوجي المغلق واستطاع معالجة الجذور الأساسية لمشكلة العنف ووضع الأمر برمته في السياق التاريخي الذي قاد إلى عملية مركاز هراف. لكنه لم يفعل. لا أضيف على الإطلاق إذا قلت أن الاحتلال الإسرائيلي هو السبب الرئيس لاستمرار الصراع العربي الإسرائيلي. وأن أي محاولة لانتهاج مقاربة لا تستند على هذا الفهم مصيرها الفشل لأنها لن توقف العنف.


والشيء بالشيء يذكر، فما أسهل أن يوجه انتقادا للحركات الدينية على الجانب العربي والفلسطيني على أساس أنها “لا ترغب في السلام” وكأن هناك سلاما مقدما على طبق من فضة ينتظر بفارغ الصبر موافقة الحركات الإسلامية. القليل القليل في الغرب يشير إلى دور رجال الدين اليهود في زيادة حدة الصراع وتقليل فرص السلام. فالمسؤول عن عدم الإحساس بالأمن لدى الوسط اليهودي في إسرائيل هو السياسة الإسرائيلية القائمة على التوسع على حساب أصحاب الأرض الأصليين.


لو أن هناك نوايا صادقة لتحقيق الأمن الإسرائيلي لقام المتدينون في إسرائيل باعتماد “بيكوخ نفش” لإنقاذ ليس فقد اليهود من الاستهداف بل أيضا لإنقاذ آلاف من الفلسطينيين الذين يدفعون أرواحهم ليس لذنب اقترفوه بل لأنهم موجودون على أرضهم. ففتوى الحاخام لن تغير في الأمر شيئا، وعلى الأرجح لن تمنع الفلسطيني، إن فكر بالمقاومة، من القيام بعمليات لأن الوظيفة لم تمنع الفلسطيني من التنكر لحلمه الأبدي في الاستقلال والتحرر.


فالاتجاه الذي يقول أن وقف العنف الفلسطيني هو متطلب سابق لتنازل إسرائيل عن الأرض قد يكون صحيحا، لكن الأكثر دقة هو أن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي هو المتطلب السابق لإنهاء الصراع وبالتالي العنف كالذي حدث في مركاز هراف.


بكلمة، يثبت الحاخام حاييم كانيفسكي بالفتوى التي أصدرها أن هناك ضيق أفق لدى الكثير من المؤثرين في إسرائيل. وأكثر من ذلك يثبت أن المتدينين لغاية الآن لم يستوعبوا ديناميكية الصراع ولا يرون ذلك إلا من خلال فكر مغلق ضيق.


[email protected]

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock