أفكار ومواقف

لا ديمقراطية ولا ديمقراطيين

بقيت التحولات في الحياة السياسية في العالم العربي توصف بأنها أنجبت ديمقراطيين بلا ديمقراطية. ثم قيل في بعض تجارب التحولات إن ثمة ديمقراطية تولد، ولكن أين الديمقراطيون؟ اليوم، من المفترض أن تخرج ديمقراطيات الربيع العربي من مرحلة الخداج السياسي، ولكن كل الخشية أن نصل إلى لحظة نجد فيها أنفسنا بدون ديمقراطية ولا ديمقراطيين.
تسود حالة من الإرباك السياسي الاستراتيجي في تقدير الموقف حول مستقبل التغيير السياسي في المجتمعات التي تجاوزت العتبة الأولى، وفي المجتمعات الأخرى التي تصارع من أجل التغيير، وتلك التي تتطلع نحو التغيير. وبينما تنتشر حالة من الاكتئاب الاجتماعي والسياسي حول ثورات مأزومة وأخرى قيد الاختطاف، ومجتمعات تضرب رؤوسها في الجدران، ثمة زحام من المعلومات ومعرفة أقل حول تفسير الأحداث ومستقبلها.
لا يحتاج فهم هذه المرحلة إلى الجلوس في انتظار الوحي السياسي واجتراح المعجزات؛ فالتقدير الموضوعي يفترض مرحلة انتقالية صعبة ومعقدة، لها خصائصها المتناقضة، وتحتمل سيناريوهات مربكة أيضاً. نلاحظ ذلك في المجتمعات التي لم تتجاوز العتبة الأولى في التغيير، كما هو في الأفق المغلق في  سورية، أو الأوضاع غير المبشرة في ليبيا، أو الانتظار القلق حول المستقبل السياسي لمصر؛ كيف يصوغ كل مجتمع مسارا مختلفا ومتناقضا تفرضه خبرة كل مجتمع مع ميراث النظام السياسي، ومحددات البيئة الدولية ومصالح الفاعلين فيها. في المقابل، تتجه مجتمعات أخرى تجاوزت عتبة التغيير الأولى إلى مسارات أخرى لا تقل ارتباكا وغموضا.
لقد تطور علم الانتقال السياسي خلال العقدين الماضيين بشكل كبير؛ فلقد قدمت تجربة التحول نحو الديمقراطية التي شهدتها دول أوروبا الشرقية خبرة عملية وعلمية غنية في تفسير مرحلة الانتقال السياسي، وتوقع الكثير من ملامح الصراعات والتفاعلات السياسية والاجتماعية، وطبيعة القوى السياسية الفاعلة وقواعد اللعبة السياسية الجديدة.
وعلى أهمية ما يقدمه “علم الانتقال السياسي” وخبرته الأوروبية تحديداً من معرفة وخبرة، إلا أن التجربة العربية التي تكاد تتشكل، من المنتظر أن تقدم إضافة تاريخية نوعية، سوف تفرز منظورا مستقلا في علم الانتقال السياسي، حيث تُطور التفاعلات الجارية مفاهيمها الخاصة للانتقال السياسي، وتحدد طبيعة القوى الفاعلة، وتعيد صياغة مفهوم القوة من جديد.
الفكرة الأساسية التي نحتاج إلى استيعابها جيداً هذه الأيام تقول إن التجربة العربية الطازجة في الانتقال السياسي، والتي يتعلم منها العالم في هذه الأيام، تحتاج هي أن تستفيد من الخبرات التاريخية الأخرى في تقليل جرعة التشاؤم التي تسود الخطاب الإعلامي العربي بين وقت وآخر، والتقليل من حدة وخيال الخطاب التفسيري للتحولات الراهنة؛ فما يزال المسار التاريخي للأحداث في معدلاته الطبيعية، وفي إطار المعقول والمقبول السياسي.
عملية الانتقال السياسي باختلاف مناهجها التاريخية تحتاج إلى صبر وعقلانية سياسية من نوع خاص في التعامل مع الأحداث وتوقع التحولات، حيث تسود المجتمعات المنتقلة ثقافة خاصة مملوءة بالشك والريبة والاتهامية والحذر. الكل يحتاج إلى أدوات سياسية واجتماعية وإعلامية خاصة في التعامل مع هذه الثقافة الطارئة، وليس مجرد انتظار الوحي من الغيب. المهم أن تبدأ عملية الانتقال، وأن تتجاوز سريعا عملية الاحتضان والرعاية، وأن ترسي قواعدها الذاتية للعبور، حتى وإن زادت آلامها.
كلما طالت عمليات الرعاية للخداج الديمقراطي، وتحديدا الرعاية الخارجية، كلما اقتربنا من كابوس فقدان الديمقراطية والديمقراطيين معا.

[email protected]

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock