آخر الأخبار حياتناحياتنا

“لا ريح تقلني” للشاعر مؤيد طيب يجمع اللغة الراقية والبساطة الظاهرية

عزيزة علي

عمان- يرى القاص والشاعر والمترجم الكردي العراقي د.ماجد الحيدر، أن القارئ لكتابات الشاعر مؤيد طيب “شعراً ونثراً وأدب أطفال”، يكتشف تلك السمة الجميلة فيها التي تدخل للقلب دون استئذان، وتوظف أسلوباً يجمع بين اللغة الراقية والبساطة الظاهرية التي تخفي وراءها ثقافة عميقة وإلماماً ممتازاً بالتراث الكردي العريق والأدب العالمي والعربي على وجه الخصوص، وهو في التزامه بقضايا شعبه القومية والاجتماعية، بعيد كل البعد عن الانغلاق والتعصب القومي ونصير لكل الإنسانية في كفاحها من أجل انتصار الحب والخير والجمال. ويضيف الحيدر، في مقدمته لكتاب المختارات الشعرية التي صدرت إلى مؤيد طيب بعنوان “لا ريح تقلني، لا أرض تحملني”، عن دار فضاءات للنشر والتوزيع، عمان، وقام الحيدر بترجمتها إلى العربية، وجاءت المجموعة في “232”، صفحة من القطع المتوسط “تتنوع قصائد هذه المجموعة في “قوالبها” وأساليبها الفنية و”أغراضها الشعرية” مثلما تتفاوت طولا وقصراً”.
ويشير المترجم إلى وجود قصائد مختلفة ما بين القصيدة اليومية وقصيدة الومضة والنصوص المشربة بالروح الفلسفية والصوفية وتساؤلات محنة الوجود، مثلما نجد القصيدة السياسية المباشرة وقصيدة السخرية السوداء والبورتريهات الشعرية والقصيدة الغنائية والغزلية، وتأملات الشاعر في طبيعة بلاده وانعكاساتها النفسية والوجدانية.
ويرى الحيدر أن الشاعر يؤكد مكانته المستحقة كواحد من رواد التحديث في الشعر الكردي المكتوب باللهجة الكرمانجية وقدرته على تبني أشكال فنية متجددة وابتكار صور شعرية تضج بالحياة وتستمد ألوانها وضربات ريشتها الماهرة من طبيعة وطنه الساحرة من ناحية وأحلام وآمال وأوجاع شعبه في كفاحه الدامي من أجل الحرية والعيش الكريم من ناحية ثانية.
وينوه المترجم إلى أن تجربة طيب الشعرية الطويلة والممتدة عبر أكثر من أربعة عقود يكتشف ميله المتزايد “الناتج عن التجربة الروحية وتراكم الخبرة والقراءة المعمقة لمنجزات الأدب الكردي والعربي والعالمي ناهيك عن التحولات الاجتماعية والسياسية والفكرية المحلية والعالمية”، نحو التأمل الفلسفي والوجودي العميق مع احتفاظه ببساطة تذكرنا بأحلام الطفولة وتساؤلاتها وصورها الملونة المدهشة متأثراً، ربما، بتجربته الغنية في الكتابة للطفل والترجمة له.
ويتابع الحيدر: “هذه “الحكمة”، المكتسبة لم تؤد “بخلاف العديد من التجارب”، إلى اعتزال الشاعر للناس والتكبر على مشاركتهم في همومهم وأحلامهم وتفاصيل حياتهم اليومية والانزواء في أبراج عاجية مثلما أن ميله إلى خوض مغامرة تجريب أساليب جديدة لم يؤد إلى الانجرار إلى هذا الكم الهائل الذي نراه من الكتابات الفاقدة للجمال والفن والعمق بدواعي التحديث والتجريب. إن هذا التطور المستمر في شعره، مضمونًا وأسلوبًا ليس بخاف عليه شخصيا”.
ويرى المترجم أن طيب هو واحد من الشعراء القلائل الذين حققوا في شعرهم، وفي حياتهم، ذلك الالتحام المبدع بين الخاص والعام، بين الالتزام الواعي بقضايا الشعب وهموم الشعراء اليومية منها والوجودية. إنه، وببساطة شديدة يعطينا درساً بليغاً في تجاوز هذا التناقض المفتعل بين الشكل والمضمون. ولعل من اللافت أن هذا الرجل الهادئ الحيي قد حقق، وفي سن مبكرة من حياته، شعبية وحضوراً يثيران الدهشة بين أوساط الجماهير، وأعني الناس العاديين: الطلبة، الكادحين، المقاتلين، ناهيك عن المثقفين أو الأدباء.
ويقول الحيدر “كانت قصائد طيب تتحول بسرعة عجيبة إلى أغنيات يلحنها كبار الفنانين الكرد ويرددها الصغير والكبير.. أغنيات حزينة في ساعات الإحباط واليأس والضياع، وأغنيات أخرى متفائلة، متحدية، لساعات الفرح والأمل والإصرار على الحياة. وكانت الأوراق التي خطت عليها بعض قصائده تنتقل، في سنوات الفاشية والظلام، من يد إلى أخرى كمناشير سرية يتلقفها الناس في الشوارع والمدارس والسجون وخنادق القتال لتمنحهم الأمل والضوء والإصرار على المقاومة حتى إنه اشتكى في إحدى المناسبات من أن بعض قصائده تعرضت على يد الناس إلى الكثير من التغيير والتحوير والحذف والإضافة، ما يعتري الأدب الشفاهي الشعبي! ولعل العديد من الشعراء يتمنون في سرهم أن يحظوا بهذا الشرف: شرف تحول قصائدهم إلى جزء من الفولكلور وهم لما يزالون على قيد الحياة!”.
ويوضح المترجم “عاصر طيب كفاح الشعب الكردي المرير من أجل تحطيم أغلال العبودية والفاشية؛ وكان صوتا وقلما، وتغنى بانتفاضات الشعب صعوداً ونزولاً، نصراً وتراجعاً. غنى للشهداء وأمهاتهم، غنى للأطفال المعدمين المحرومين من طفولتهم، غنى للمرأة أمًّا وحبيبةً وكادحة وضحية”. ويشير الحيدر الى لقاء أجراه مع الشاعر طيب حول تجربته الشعرية؛ حيث يقول “لقد خاض الكثير من الأدباء تجربة الكتابة الشعرية في مقتبل عمرهم ثم غيروا مساراتهم نحو أجناس أدبية أخرى مثل القصة والرواية، لكن هناك أدباء يبقون شعراء منذ بداياتهم حتى آخر مراحل حياتهم، وأنا واحد من هؤلاء، إذ لم أتحول إلى أجناس أخرى. لو تأملت دواويني ستجد أن هناك حداً فاصلاً بين ديوانيّ الأول والثاني وبين دواويني اللاحقة الثالث والرابع والخامس. عندما كتبت المجموعتين الأوليين كنت في العشرينات من عمري وكنت أصب جل اهتمامي على المضمون وعلى طابع المقاومة في شعري كوسيلة في خضم الكفاح. لا يملك المرء في مراحل شبابه الأولى تلك التجربة الفنية العميقة، لذلك تراه يمنح المضمون أهمية أكبر، وكان مضمون قصائدي يدور في الغالب حول معاناة الانسان الكوردي الرازح تحت السلطة الفاشية. لكنك حين تقرأ الدواوين الثلاثة الأخيرة ستلاحظ اتساع التجربة الإنسانية ورحابتها، ولهذا تجد مضامين ومواضيع جديدة. لقد ابتعدت عن وطني ثلاثة عشر عامًا وعشت في المنفى الذي انعكست معاناته على قصائدي. أضف إلى ذلك تعمق تجربتي الحياتية والثقافية فلم أعد أكتب بالطبع بذلك الأسلوب البسيط لذلك ستقرأ في السطور وما بينها أمورا جديدة، ورؤى جديدة للشاعر كإنسان يعيش في هذا العالم ويراقب ما حوله من تبدلات في حياته وفي مجتمعه وينظر بعينه الناقدة إلى كثير من المساوئ والسلبيات المحيطة. ما أقصده هو أن الشبيبة تمتاز بانفعالاتها القوية الجامحة لكن تلك الانفعالات تتحول مع تقدم السن إلى تأملات. تأملات فلسفية أو صوفية أو دائرة حول معاناة الإنسان”.
وهو يقر بأنه في قصائده الأخيرة يغدو أكثر ميلا للتشاؤم، ويعلل ذلك بقوله: “نعم، سيحصل هذا أيضا، وسيميل الإنسان إلى التشاؤم. عندما يكون المرء في شرخ شبابه يكون العالم كله أحلامًا فسيحة وآمالاً بتحقيقها، لكنه سيدرك مع الوقت كمية السذاجة التي كانت تنطوي عليها تلك الأحلام والإيمان بإمكانية تحقيقها. إنه أمر شبيه باعتقاد شعب مقموع رازح تحت دكتاتورية بغيضة بأن الدنيا ستتحول إلى فردوس حالما تنتصر الثورة ويرحل الدكتاتور، لكنه يصاب بخيبة الأمل! التساؤلات عن التفاؤل والتشاؤم كثيرا ما طرحت في جلساتي الشعرية ولقاءاتي مع الجمهور الذي يسألني: كنت قبلا أكثر تفاؤلا فما سر ميلك إلى التشاؤم؟ وكنت أجيب بأن هناك نوعين من التشاؤم: نوع يتبنى موقف التسليم للواقع السيئ، ونوع ثان يعمل على كشف الواقع وسلبياته من أجل تغييره، أي هو موقف تحريضي”. أما عن التحولات والتطورات الأسلوبية في دواوينه الأخيرة، فيقول: “رغم أن الدواوين الأخيرة لا تخلو من قصائد طوال لكنني صرت أكثر ميلا إلى التكثيف، إلى القصر سواء في الأبيات أو في القصائد، وإلى التحرر من الشكل التقليدي والوزن والقافية، وإلى إيلاء مزيد من الاهتمام للصورة الشعرية، للشكل القريب من اللوحة الفنية وللقصائد التي تتخذ شكل الإبيكرام والهايكو (أو التي تحمل بعض صفات الهايكو، رغم أنني لم أطلق عليها هذه التسمية) وأعتقد بأن هذا التوجه نحو قصر الأعمال اتجاه عالمي حتى في الرواية”.
ومؤيد طيب مدافع شرس عن الشعر وقدرته على البقاء، وعن هذا يقول: “يقال في أحيان كثيرة إن الرواية وغيرها من الأجناس الأدبية قد أزاحت الشعر عن مكانه، لكنني أذهب إلى القول باستحالة اختفاء أي جنس أدبي. الشعر على الخصوص باعتباره أقدم الفنون اللسانية ما يزال حيا وقادرا على البقاء. صحيح أنه تغير كثيرا عبر العصور، وواجه تحديات ومنافسات لا تحصى من قبل الأجناس الأدبية الأخرى بعد أن كان الفارس الأول والأوحد في ميدان الأدب، لكنني أشكك في صحة كل ما قيل ويقال من أن الشعر يتجه نحو الانقراض والفناء. أحد الفوارق الرئيسية بين الشعر والرواية هو أن القليل من الروايات نستطيع قراءتها أكثر من مرة في حين أنَّ هناك من القصائد ما نعيد قراءتها عشر مرات وأكثر. كثير من الروايات تغدو قديمة مع مرور الوقت ولا تعود مقروءة (ما عدا الكلاسيكيات الكبرى لدوستويفكي وتولستوي وبلزاك على سبيل المثال لا الحصر)، لكن العديد من أقدم النتاجات الشعرية مثل ملحمة كلكامش ومهابهاراتا الهند وشاهنامة الفردوسي وأعمال شكسبير (على سبيل المثال أيضًا) لم تزل حية ومقروءة. غير أنني أود الإشارة إلى ظاهرة مفادها أن الشعر أكثر مقبولية وقراءة عند بعض الفئات العمرية مثل الشباب دون الخامسة والعشرين وكبار السن ممن يتجاوزون الخمسين، في حين يتحول ذوو الأعمار المتوسطة بين هاتين الفئتين إلى الرواية قبل أن يعودوا إلى الشعر! لاحظ أيضًا أن الشعر يتمتع، على المستوى العالمي، بحضور أكبر في المهرجانات ووسائل الإعلام. ربما يمكن القول إن الشعر والأجناس الأدبية تسير جنبًا إلى جنب، لكن الشعر في رأيي يظل عصيًّا على الفناء، حيًّا وباقيًا ما بقيت اللغة!”.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock