أفكار ومواقف

لا عزاء للفقراء

إن التصريحات الأخيرة التي أدلى بها الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريش، والتي أعرب فيها عن استيائه من غياب العدالة في توزيع المطاعيم بين دول العالم، واستحواذ الدول الاقتصادية الكبرى على حصة الأسد منها. هذه التصريحات المؤثرة والتي اتسمت بشيء من العتب على القصور الذي يشوب التنسيق في الجهود العالمية، ومحملة الحكومات مسؤولية حماية مواطنيها، وتأمين المطاعيم، أعادت الى الواجهة الجدل الدائر حول غياب التضامن العالمي في مواجهة الكارثة الأكبر التي تواجهها البشرية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، هذه الجائحة التي ازدادت فتكاً بالبشرية، وخطفت الأحبة من كل بيت في هذا العالم.
فبالرغم من كل المُبادرات التي انطلقت صيف العام الماضي من أجل ضمان التوزيع العادل للمطاعيم، والتي توجت بمبادرة كوفاكس الأممية وكانت تهدف الى توفير ملياري جرعة من المطعوم للدول الأشد فقراً قبل نهاية العام 2020، ولتحقق أكبر عملية تلقيح عالمية يشهدها التاريخ، في مواجهة جائحة كورونا والسلالات الجديدة منها. لكن وللأسف، ما أن جاءت لحظة الحقيقة وأصبحت المطاعيم في متناول اليد، عادت الدول الى الانكفاء على ذواتها وتنكرت لكل القيم التي كانت تتبجح بها في وقت الرخاء، وخاضت حروبا سرية وعلنية على أمل الفوز بأكبر حصة من المطاعيم.
فقد ذكر السيد غوتيريش: ”أن عشر دول غنية استحوذت على 75 % من مجموع المطاعيم، بينما لم تحصل عشرات الدول الفقيرة، والتي يقطنها أكثر من مليار ونصف المليار من البشر على أي حصة من المطاعيم! وفي نفس السياق استأثرت دولة كندا الغنية بشراء كمية هائلة من المطاعيم تفوق حاجة سكانها بأضعاف، بينما استغل بنيامين نتنياهو علاقاته الدبلوماسية والسياسية القوية التي تربطه بمدير شركة فايزر لضمان شراء ملايين الجرعات من اللقاح، والتي تكفي لتضع الكيان في صدارة دول العالم التي باشرت في تطعيم مواطنيها لتحقيق المناعة المجتمعية، فقد ذكرت التقارير أن نتنياهو أجرى سبع عشرة مكالمة مع مدير شركة فايزر لإقناعه بتوقيع اتفاقية شراكة بينهما، بحيث يستفيد الطرفان، بينما على بعد أميال قليلة يحرم حوالي مليوني نسمة من سكان قطاع غزة من الحصول على حصتهم من المطعوم، والذين فاقمت الجائحة حصارهم في سجنهم الكبير.
ولم تكُن هذه الأنانية المعلنة والخفية في التهافت وتخاطف المطعوم مُفاجئة، فقد سبقها تنافس غير شريف على وسائل الوقاية وأجهزة التنفس وشرائح الفحوصات في بداية الجائحة. وقد بادرت دول عظمى الى منع تصدير هذه المواد معتبرة اياها قضية أمن وطني بينما أناطت بعض الدول مسؤولية توفير هذه المعدات بأجهزتها الأمنية. وهذا مؤشر خطير على تسييس هذه الجائحة منذ البداية، والتي أطاحت ببعض السياسيين. كما استخدمها آخرون كأداة ووسيلة، وفرصة للتقدم والانقضاض على الخصوم. ففي الدول الديمقراطية حاول السياسيون توظيف هذه الجائحة، واستخدموا المطاعيم كورقة انتخابية لخدمة مصالحهم، ضد خصومهم السياسيين. أما الدول السلطوية فقد وجدتها فرصة سانحة لتمرير بعض القرارات التي ما كانت لتمُر في أي وقت آخر، كما استخدمتها الحكومات المأزومة كشماعة تعلق عليها فشلها في تدبر الملفات الاقتصادية والاجتماعية والصحية.
واليوم تقف البشرية على مُفترق طرق: إما أن تسلك طريق العقل والرشد في التعامل مع هذه الجائحة كخطر وجودي عابر للحدود والجنسيات، ويهدد العالم أجمع، وإما أن تؤمن بأنه لا يمكن تحقيق النجاة الفردية أو الانكفاء على الذات، فهزيمة جائحة كورونا لن تتحقق إلا بالتضامن العالمي في مواجهتها والقضاء عليها. فالقرار الذي نتخذه اليوم لن يتوقف عند حدود الجائحة بل سيصبغ معظم مناحي الحياة بما سيخلفه من تأثيرات وتفاعلات وتداعيات، سواءً في المُستقبل أو بعد انتهاء الجائحة. فالظروف الاستثنائية التي نعيشها أفرادا ودولا تقيسُ عمق التزامنا الأخلاقي، وتظهر حجم الفجوة بين التنظير والتطبيق.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock