تحليل إقتصادي

لا غنى عن دعم مصر

إبراهيم شكري دبدوب*
 ما تشهده مصر حاليا من أحداث سياسية واجتماعية متلاحقة وانعكاسها على الحياة اليومية للمصريين وتأثير ذلك على الوضع الاقتصادي العام للبلاد، يتطلب بلا شك وقفة جادة وداعمة من أميركا وأوروبا والعالم العربي.
فمصر ليست بلداً صغيراً حتى نتجاهل ما يحدث بها، كما أن لها روابط تاريخية عميقة مع الدول العربية كافة وهي أيضاً مركز ثقل تاريخي وسياسي وثقافي واقتصادي عربي وإقليمي لا يستهان به.
ما سمعته من المسؤولين المصريين وما أتابعه من التقارير الرسمية الصادرة عن الحكومة المصرية يشير بوضوح إلى وصول الاقتصاد مرحلة الخطر الحقيقي في ظل بلوغ معدل الاستثمار الأجنبي مستوى الصفر، وقرب دخول البلاد مرحلة الركود الكامل بسبب عدم ثقة المستثمرين بمستقبل الاستثمار بشكل عام، ناهيك عن تأثير ذلك على الأوضاع  المالية والاقتصادية والحياتية لأكثر من 80 مليون مصري.
والخطوة الأولى الحاسمة واللازمة في نظري تتمثل في تقديم ودائع نقدية مباشرة إلى البنك المركزي المصري لدعم وضمان استقرار العملة المحلية.
 وفي ذلك رسالة واضحة إلى الشارع المصري بطوائفه كافة والمستثمر الأجنبي على السواء مفادها استعادة الثقة على وجه السرعة وتحقيق الاستقرار للجنيه المصري ومنعه من الهبوط، إلى جانب تعزيز ثقة المستثمر الأجنبي في أجواء الاستثمار في مصر بشكل عام.
لقد أثبت التاريخ عدم قدرة الدول على الخروج من كبواتها ومشاكلها بمفردها.
وللمثال: ما كانت كل أوروبا لتخرج من التداعيات المدمّرة للحرب العالمية الثانية لولا خطة مارشال التي دخلت حيز التنفيذ في العام 1948، و نجحت خلال أربع سنوات في إعادة بناء الاقتصاد الأوروبي.
وبأقل من 13 بليون دولار موزعة على نحو 16 دولة استطاعت أوروبا أن تخرج من كبوتها لتحقق بين عامي 1948 و1952 أسرع معدلات نمو في تاريخها، ما أرسى مسارا قادها لتكون قوة اقتصادية عظمى اليوم. وتلك القوة الاوروبية العظمى تهب اليوم لمساعدة دول مثل اليونان والبرتغال  لتجاوز أزمات مالية ليبقى في الاتحاد قوة.
إن الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية لها أكبر مصلحة في أن تظل مصر مستقرة سياسياً واقتصادياً، فمصر هي أهم وأكبر بلد عربي، وأي انزلاق لها في فوضى سياسية أو اقتصادية سيكون له تبعات خطيرة على سياسة أميركا في المنطقة.
أما الدول الخليجية ذات الفوائض المالية فهي لم تبخل تاريخياً عن دعم الدول العربية في حالات العجز وأوقات الشدة، إن بشكل مباشر عبر مساهمات حكومية أو بشكل غير مباشر من خلال مؤسسات مثل الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي أو الصندوق الكويتي للتنمية.
 وما خطوة الايداعات المطلوبة اليوم إلا في سياق مكمّل يعد حجر زاوية يبنى عليه في هذه المرحلة ومستقبلا.
 وللمثال أيضا: كان قبل سنوات لدول الخليج مبادرات مماثلة عندما أسهمت في ودائع في بنك لبنان المركزي حمت الليرة اللبنانية من هبوط كان يمكن أن يقوّض جهود الإعمار والتنمية التي كان رائدها المرحوم الشهيد رفيق الحريري.
ما أحوج دول الخليج الغنية أن تبادر اليوم وبشكل سريع إلى دعم مصر والوقوف إلى جانبها في مثل هذه الظروف الصعبة. فالعالم العربي لن يتحمل أي اضطراب أو تراجع لدور مصر ومكانتها العربية والإقليمية في الفترة القادمة خصوصا في ظل اصطفافات سياسات المحاور والأطماع الإقليمية والدولية المتنازعة و الهادفة لإضعاف الصف العربي. إن جزءًا يسيرا جدا من الأموال الحكومية الخليجية المودعة في بنوك عالمية يمكن لها أن تلعب دورا محوريا في استقرار مصر وتجنيبها أي هزة لا تحمد عقباها إقليمياً. كما أن تلك الأموال المطلوبة للايداع ستجد عوائد ربما أعلى من تلك التي تحصل عليها عالميا.
كما أن المصالح المشتركة وعلى رأسها الاستثمارات الخليجية في أرض الكنانة ستكون بين أول المستفيدين من هكذا خطوة باتت ملحّة أمام نزيف العملة الصعبة في مصر الآن.
لقد أصبحت دول الخليج في خضم التطورات الجيوسياسة في موقع يسمح لها بإحداث فرق نوعي أكثر من أي وقت مضى. فهل تمسك بزمام المبادرة ليسجل لها التاريخ حماية مصر الثورة من الانزلاق في غياهب المجهول؟

*الرئيس التنفيذي لمجموعة بنك الكويت الوطني وعضو مجلس إدارة معهد التمويل الدولي (IIF) ومجموعة بريتون وودز العالمية بواشنطن

مقالات ذات صلة

السوق مغلق المؤشر 1803.05 0.16%

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock