ترجمات

لا مزيد من هيروشيما وناغازاكي!

د. ريبيكا جونسون
 (ذا بالستاين كرونيكل) 6/8/2012

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

 

قبل سبعة وستين عاماً من الآن، في 6 آب (أغسطس)، انفجرت قنبلة اليورانيوم الأولى فوق مدينة هيروشيما اليابانية، بقوة 15 ألف طن من مادة “تي أن تي”. وقد قتل عشرات الآلاف من جراء الانفجار، والتهمت كرة النار الناجمة المدينة، ومات عدد مماثل جراء مرض الإشعاع والجروح التي أصيبوا بها خلال الأيام والأشهر التي تلت ذلك. وفي الحصيلة، بلغ مجموع القتلى 140.000 إنسان بحلول نهاية العام 1945.
وبعد ثلاثة أيام، تحطمت مدينة ناغازاكي هي الأخرى في انفجار قنبلة بلوتونيوم. وكان ذلك هو التصميم نفسه الذي كانت الولايات المتحدة قد أجرت عليه تجربة في صحراء نيو مكسيكو قبل ثلاثة أسابيع، مما جعل عالم مشروع مانهاتن البارز روبرت أوبنهايمر يقول بعد ذلك عن نفسه إنه أصبح “مدمر العالم”.
وعلى مدى السنوات الأربعين التالية، راكمت الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي (الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وبريطانيا وفرنسا والصين) ما يقرب من 70.000 سلاح نووي، وبقوة تفجيرية تصل مجتمعة إلى ما يقارب 15 مليون طن.
وسوف يشهد تشرين الأول (أكتوبر) من هذا العام ذكرى مرور 50 عاماً على أزمة الصواريخ الكوبية، عندما استطاع الرؤساء كيندي وخروشوف -بفعل الحظ بقدر ما هو بفعل الحكمة- التراجع عن حافة حرب نووية كارثية.
وكانت هناك عدة مرات اقتربت فيها الأمور من حد الخطأ، بسبب سوء التقدير والقعقعة، قبل أن يمارس المجتمع المدني في جميع أنحاء العالم ضغطاً أفضى إلى البدء بسلسلة من التخفيضات في الأسلحة النووية، وساعد على جلب الحرب الباردة إلى نهايتها.
وفي شرحه أسباب اتصاله بالرئيس الأميركي ريغان لمناقشة نزع السلاح النووي في العام 1986-1987، أبرز الرئيس غورباتشوف كلاً من تأثير حركة السلام، ودراسات “الشتاء النووي” التي أجراها علماء الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، والتي أظهرت أن حرباً نووية بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة سوف تتسبب بانخفاض حرارة الأرض والتجمد على نطاق الكوكب، ودماراً بيئياً يمكن أن يضع نهاية للحياة على الأرض.
وبعد عشرين عاماً من هدم سور برلين، بات معظم الناس يفضلون تجاهل الحقيقة المروعة التي تقول إن الآلاف من الأسلحة النووية ما تزال تهدد جميع أشكال الحياة على الأرض. ولدى قراءة الإعلام، ربما يعتقد المرء بأن المشاكل الرئيسية اليوم هي برنامج إيران النووي وخطر الإرهاب النووي. لكن إيران لا تمتلك في الواقع أي أسلحة نووية. كما قال آية الله خامنئي في الآونة الأخيرة إن هذه الأسئلة “حرام” -ومحظورة في الإسلام.
ومع ذلك، فإن تخصيب إيران المتسارع لليورانيوم وما يتصل به من الأنشطة في المجال النووي والصواريخ يبعث على القلق، على الأقل بسببب امتلاك الجيران القريبين؛ الباكستان والهند وإسرائيل، أسلحة نووية. ويمكن لامتلاك إيران قدرة إنتاج الأسلحة النووية أن يغير الشرق الأوسط، سواء اختارت طهران أن تتسلح بها أم غير ذلك.
ومن بين هذه الدول، ربما تمتلك كل من إسرائيل والباكستان والهند ما يقرب من 300-400 سلاح نووي، إضافة إلى ما يقرب من 19.000 سلاح نووي ما تزال تمتلكها الدول الخمس المسلحة نووياً، والتي اعترفت بها معاهدة حظر الانتشار النووي في العام 1968.
هذه الترسانات -والعقائد والعمليات المرتبطة بانتشارها- هي التهديدات التي ينبغي لنا أن نقلق بشأنها أكثر ما يكون. وربما يكون اندلاع حرب نووية عالمية شاملة قد أصبح أقل احتمالاً الآن، لكن الدراسات الحديثة تثبت أن حرباً نووية إقليمية من شأنها أن تتسبب في قيام مجاعة عالمية، مما يعرض حياة أكثر من مليار شخص للخطر.
وقامت دراسات “الشتاء النووي” الآن باستكمال وتحديث أبحاث الثمانينيات، ونظرت في احتمالات استخدام أسلحة نووية بحجم 100 ضعف قنبلة هيروشيما في المراكز الحضرية والمدن في الهند والباكستان. وقد أبرز هذا السيناريو الإقليمي المحدود (0.04 % من القوة التفجيرية الموجودة في الترسانات اليوم) عدم عصمة فكرة الردع، وأن الجيران الشكاكين يمكن أن يعيدوا إنتاج عوامل الخطر نفسها التي أدت إلى نشوب أزمة الصواريخ الكوبية؛ بما في ذلك سوء التقدير، وسوء الفهم، والتصعيد العسكري، وربما القادة المارقون.
وتضيف قدرات الحرب الإلكترونية المتنامية في العديد من البلدان بعداً جديداً من الخطر المراوغ إلى الخليط المتفجر أصلاً. ويمكن أن يدفع اشتباك إقليمي بملايين الأطنان من الدخان الأسود من التفجيرات النووية في الغلاف الجوي العلوي. وسوف تسودّ الأجواء، وستهبط درجات الحرارة في جميع أنحاء المعمورة بمتوسط قدره 1.25 درجة مئوية، وربما يتوقف سقوط الأمطار فيها نهائياً.
وبالإضافة إلى التلوث الإشعاعي واسع الانتشار، فإن هذه التأثيرات المناخية ستبقى قائمة لعقد من الزمان، مخلفة عواقب وخيمة على الزراعة والصحة ودورات حياة الكثير من الأنواع الحية. وبالإضافة إلى عشرات الملايين الذين يمكن أن يموتوا من الآثار المباشرة للانفجارات النووية في مدن جنوب آسيا الكبرى والرئيسية، سوف يصبح أكثر من مليار شخص في جميع أنحاء العالم عرضة لخطر الموت جوعاً. كما ستسبب الأوبئة المعدية، والمزيد من الأزمات حصيلة موت إضافية. وقد قرر الصليب الأحمر أنه في حالة تم استخدام الأسلحة النووية اليوم، فإن أي محاولات للاستجابة أو التعامل مع الاحتياجات الإنسانية للناجين ستكون مرتبكة تماماً وليست ذات جدوى.
وتثبت هذه الدراسات الجديدة في المناخ والصحة أنها سوف يكون لحرب نووية إقليمية محدودة تداعيات صحية وإنسانية كونية، وعلى نطاق لم يسبق له مثيل من قبل، بغض النظر عما إذا كان الناس يعيشون في “منطقة خالية من الأسلحة النووية”؛ مثل جنوب أفريقيا، وأميركا اللاتينية، والمحيط الهادئ، ووسط وجنوب شرق آسيا.
فيما نحن نتذكر الدمار الذي أحدثته قنبلتان نوويتان صغيرتان نسبياً في آب (أغسطس) من العام 1945، فإنه لا يمكننا البقاء راضين ومتواطئين. وسوف يستمر انتشار الأسلحة النووية والتهديدات النووية ما دامت بعض البلدان تقدر وتتمسك بهذه المجموعة الأقل إنسانية على الإطلاق من أسلحة الدمار الشامل. إن وضع معاهدة تحظر الأسلحة النووية هو أمر ملح وضروري ويمكن تحقيقه، وينبغي أن تبدأ المفاوضات بشأن وضع مثل هذه المعاهدة. الآن.

*هي نائب رئيس الحملة الدولية للقضاء على الأسلحة النووية. تم نشر مقالها بواسطة ICAN، الحملة الدولية للقضاء على الأسلحة النووية. وقدمها موقع “هيومان رونغز ووتش” إلى موقع “ذا بالستاين كرونيكل”.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: No More Hiroshima, Nagasaki!

[email protected]

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock