ترجمات

لا مساواة داخل الخط الأخضر: الفلسطينيون المنسيون

باتريك أو. ستريكلاند * — (كاونتربنتش)
 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
يوم 15 أيار (مايو)، نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقالاً افتتاحياً بقلم مارون ديفيد ميلر، بعنوان: “الحفاظ على الوضع الراهن الإسرائيلي غير الأكيد”. وفيه يقول ميلر إن محاولات الحكومة الإسرائيلية لتحقيق “مستقبل أكثر سلاماً وازدهاراً” يجب أن “تكون معتمدة على شيء ما”.
وفي تحليله الاستطرادي للمناخ السياسي المعاصر، يكشف ميلر النقاب عن قائمة كبيرة غير مختزلة من التهديدات الموجهة لإسرائيل: حركة العدالة الاجتماعية الإسرائيلية؛ والانتفاضة السورية؛ وإسقاط حسني مبارك في مصر؛ ومشكلة إيران؛ والفراغ الأمني في سيناء؛ والإسرائيليين اليهود المغالين في التشدد و”الإسرائيليين العرب” (وهو بالطبع، التعبير الملطف المقصود به نزع الهوية الجمعية عن المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل).
وفي تبويبه لهذا الجرد المرهق من المخاطر، يعود إلى عدد من الكليشيهات الفظة وافتراضات وسائل الإعلام الغربية. وهو يقول في الحقيقة، أنه بالرغم من كل أعداء إسرائيل الماكرين “فإن الإسرائيليين سيزدهرون ويحافظون على دولتهم، لكن العرب والإيرانيين لن يدعوهم يتمتعون بها بالكامل”.
وينسجم تصوير ميلر لإسرائيل كدولة ديمقراطية مناضلة، تواجه بلا نهاية مجموعة من التهديدات الخارجية، ينسجم تماماً مع اتجاهات وسائل الإعلام الغربية السائدة. وفي هذه الحملة، ترى النيويورك تايمز تعمل بمثابة “المايسترو” للجوقة، حيث تضخ نشرات يومية تسعى إلى تطبيع فكرة توجيه ضربة عسكرية وقائية ضد البرنامج النووي الإيراني، وتؤسس صورة واسعة النطاق لقطاع غزة على أنه عش يؤوي 1.5 مليون إرهابي، يرغون ويزبدون ويؤطرون المسعى لحكومة تمثيلية متجسدة في الانتفاضات العربية في العام ونصف العام الماضيين، كتهديد وجودي للطبيعة اليهودية للدولة.
ومن ناحيته، يغذي ميلر هذه الأنماط المتعبة، بينما يفشل في الإقرار بوجود تهديدات أصلية لاحتمال السلام: ائتلاف نتنياهو الحربي وعلاقته المليئة بالسم مع معظم العناصر الشوفينية للجناح اليميني في إسرائيل؛ وهجمات الجهاز الأمني للدولة يوم 14 حزيران (يونيو) على المتظاهرين في تل أبيب؛ والدفع المتطرف نحو الخصخصة في قطاعات الاقتصاد التي تنظمها الدولة بشكل اعتيادي؛ والسرقة المتزايدة للأرض الفلسطينية؛ والتمدد المستمر لجدار الفصل وخلق جيوب صغيرة على غرار البانتستونات؛ ومصادقة الحكومة الصريحة على وجود وتصرفات مستوطني الضفة الغربية الذين يزدادون عنفاً باطراد.
ثمة شكل سُمّي من الشوفينية يتجسد على نحو خاص في فكرة أن فلسطينيي العام 1948، أولئك الذين يعيشون في داخل الخط الأخضر ويحملون الجنسية الإسرائيلية، يشكلون تهديدا أصيلاً لوجود الدولة. ولعل هذا الإطار من التفكير، والذي قاد ميلر إلى الاعتقاد بأن ثمة “العديد جداًً من العرب الإسرائيليين”، يشير إلى أن المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل هم طابور خامس يستطيع “تقويض مستقبل إسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية”.
وعلى الرغم من ذلك، يتم دفع الصفة اليهودية لإسرائيل حصرياً في جزء ضخم على حساب أكبر أقلية قومية، على حساب هؤلاء “الفلسطينيين المنسيين” كما وصفهم إيلان بابي محقا. وهذا على وجه التحديد هو السبب في أن إسرائيل لم تكن في أي يوم دولة ديمقراطية موثوقة أبداً.
ظاهريا، يتبنى ميلر صورة إسرائيل التي ما تفتأ المؤسسة الإعلامية الرسمية الغربية، وليس أقلها صحيفة النيويورك تايمز، في ترتيبها بحذر وجدية طوال أعوام: إن إسرائيل هي بلد منكمش يترنح على حافة غير الفناء القاسية، ويحارب من أجل الحفاظ على مؤسساته الديمقراطية ووجوده.
وبوضع كل قضايا الاحتلال العسكري للضفة الغربية واستمرار الحصار لقطاع غزة جانباً، فإن معاملة إسرائيل لمواطنيها الفلسطينيين -المواطنين الإسرائيليين!- تعتبر كافية في حد ذاتها لإلقاء شكوك جادة على مصداقيتها الديمقراطية.
فمنذ الإعلان عن قيامها وحتى الآن، ظلت معاملة إسرائيل لمواطنيها الفلسطينيين تتسم بعدم المساواة والتفرقة والتمييز. وللأعوام الثمانية عشرة الأولى التي تلت تأسيس الدولة، عاش مواطنوها الفلسطينيون تحت شكل من الحكم العرفي المشابه بشكل مشهود للاحتلال العسكري الراهن للضفة الغربية. ومن أجل القيام برحلة لا تتجاوز مجرد 26 كيلومتراً من حيفا إلى عكا، على سبيل المثال، كان من الضروري أن يتقدم الفلسطيني بطلب للحصول على إذن عسكري. وكانت معظم القرى العربية تسيج بأسيجة من الأسلاك الشائكة، فيما كانت نقاط التفتيش التابعة لقوات جيش الدفاع الإسرائيلي تسيطر على كل حركة السكان.
كما أن العديد من القرى العربية كانت في الحقيقة مخيمات لاجئين داخلية، والتي تستمر حتى اليوم. وبعد حرب العام 1948، أصبح أكثر من 25.000 فلسطيني لاجئين داخليين، يعيشون في مدن أكواخ في داخل حدود إسرائيل، لكنهم غير قادرين على العودة إلى قراهم الأصلية التي انتزعت ملكية معظمها لصالح الاستيطان الإسرائيلي. وعلى سبيل المثال، وبذكر قريتين وحسب، كانت قريتا الجُديدة والمكر قد أنشئتا كمخيمين مؤقتين للاجئي القرى الأصلية، مثل البروة، والتي قامت المليشيات اليهودية بتطهيرها عرقياً في القتال الذي اندلع في العام 1948.
وفي العام 1953 أصيب ديفيد بن غوريون، أول رئيس لوزراء إسرائيل، بالرعب نتيجة للتركيز العالي للفلسطينيين الذين كانوا ما يزالون يسكنون في منطقة الجليل. وتم تبعاً لذلك، وضع خطة استيطان يهودية سمحت بالمصادرة الجماعية للأراضي الفلسطينية ذات الملكية الخاصة، وقد انشئت هذه الخطة فقط بنية “تهويد” الجليل.
ثم تم توسيع هذه السياسة -التطهير العرقية للدولة من مواطنيها أنفسهم- إلى سنوات السبعينيات (من القرن الماضي)، ما أفضى في نهاية المطاف إلى الكارثة التي باتت تعرف باسم “يوم الأرض”. وحتى هذا اليوم، ما يزال بيع الأرض للمواطنين الفلسطينيين محدوداً بقدر كبير جداً من جانب الدولة والمنظمات شبه الحكومية، مثل الصندوق القومي اليهودي.
إن نظام إسرائيل الحالي من عدم المساواة والتفرقة والفصل، هو نظام متقلب متلون في الشكل، ومفضوح أحياناً، لكنه غالباً ما يكون مراوغاً. ولعل أحد أكثر الحواجز الضاغطة التي يواجهها المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل، هو حقيقة أن العديد من الشركات تشجع على عدم تشغيل مستخدمين لم يكونوا قد خدموا في السلك العسكري الإسرائيلي. ويحاجج المنافحون عن هذه الممارسة بأنها تهدف إلى التشجيع على أداء الخدمة الوطنية، بينما هي عملياً تحد وببساطة من عدد فرص العمل المتاحة أمام العرب.
وفي الأثناء، تكافح القرى الفلسطينية في إسرائيل من أجل توسيع أراضيها في ظل الضغط الناجم عن معدل الولادات المزدهر لديها، لكنها نادراً ما تنال التصاريح المناسبة. وقد ردد أبو طعمة، الناشط الطلابي في جامعة تل أبيب، ثيمات مشابهة بينما كان يفسر كيف أنه لم يشعر بأنه ممثل من جانب “حركة 14 جيه” الإسرائيلية.
واستهل شرحه بالقول: “إن ظروف العرب ليست ببساطة نفس الشيء هنا. وبسبب الخلافات الطبقية، فإن مشاكلنا مختلفة كثيراً عن المواطنين اليهود”. وأضاف: “إن لدينا مشاكل في تمديد وتوسيع قرانا المكتظة بالسكان، أو في شراء الأراضي التجارية. فسعر الشقق في تل أبيب، التي يوجد فيها سكان عرب بقدر منخفض بشكل كبير، ليس له علاقة باهتماماتنا ومواطن قلقنا”.
أما بالنسبة لأولئك الفلسطينيين الذين قرروا الانضمام للكفاح، فإن التداعيات تكون، كما هي العادة، أسوأ بما لا يقاس من نظرائهم اليهود. ففي حزيران (يونيو)، أوردت القناة 10 في التلفزيون الإسرائيلي أن مفوض الشرطة يوحنا دانينو، أصدر أوامر لمخابرات الشرطة بأن تقوم، وبانتباه، بتوثيق “انخراط الجالية العربية في الاحتجاجات”.
وثمة جهود برلمانية حديثة تسعى أيضاً إلى الحد من حرية الرأي بالنسبة لأولئك الذين يرغبون في قبول التقييدات التي فرضتها الدولة. وفي العام الماضي، مرر الكنيست (البرلمان) “قانون النكبة” الذي قيد حرية التعبير بصرامة، عبر التهديد بإلغاء التمويل المقدم لأركان المجتمع المدني والتمويل الحكومي أو إعفاء الضرائب، والتي تعتبر يوم استقلال إسرائيل على أنه يوم حداد.
وفي تجاهل لهذا التشريع غير الديمقراطي إلى حد الغرابة، أحيا الطلبة الناشطون في جامعة تل أبيب ذكرى القرى الفلسطينية المدمرة في حفل أقيم في الحرم الجامعي في أيار (مايو) الماضي. وقد استمع حشد فسيفسائي من الطلبة التقدميين واليساريين -اليهود والعرب على حد سواء- إلى الناشطين وهم يعلنون أسماء أكثر من 600 قرية مدمرة، ويرددون شعر محمود درويش، ويلقون كلمات عن الحاجة الماسة إلى المصالحة والمساواة والعدالة الاجتماعية.
 وقال لي أحد المنظمين للمناسبة: “اسمع! إننا لا نطلب من اليهود المغادرة -فلماذا يستمرون في قول ذلك؟ هناك يهود يتظاهرون معنا. إننا نريد الاعتراف بخسران قرانا وتدمير تاريخنا وتشريد عائلاتنا. إننا نريد دولة علمانية ديمقراطية لكل واحد من مواطنيها –من اليهود والمسيحيين والمسلمين”.
لكن أهارون ديفيد ميلر يشير إلى أن هؤلاء الناس الذين يخوضون نضالاً في سبيل تحقيق شيء لا يقل عن المساواة، إنما يشكلون تهديداً وجودياً للديمقراطية الضعيفة المعرضة للخطر -إسرائيل. وسيكون من الأكثر دقة بكثير لو حاجج بأن إسرائيل لن تكون ديمقراطية أبداً إذا لم تستعد أقلياتها -بمن فيها “الفلسطينيون المنسيون”- حقوقها المتأصلة باعتبار أفرادها مواطنين أصيلين في البلد.

*كاتب حر يعيش ويتنقل على جانبي الخط الأخضر في إسرائيل والأراضي الفلسطينية.
*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: Inequality inside the Green Line: The Forgotten Palestinians

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
42 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock