أفكار ومواقف

لا مهرب من الحصارات..!

شهدت الأيام التي سبقت حظر الجمعة نزوحاً جماعياً من عمان والزرقاء إلى أماكن أخرى في البلد غير خاضعة للحظر الشامل. وبدا الأمر يوم الخميس وكأن هناك طرقاً ما تزال متاحة للهروب من حصار قادم، والتي يمكن استغلالها مؤقتاً قبل أن يتحقق احتمال عودة الحظر الشامل على المستوى الوطني إذا توسعت بؤر التفشي. وقد لاحظ الكثيرون المفارقة في إمكانية أن ينقل مخالطون وحملة فيروس محتملون من عمان والزرقاء الوباء إلى بقية المحافظات وتسريع إحكام الحصار على البلد كله جملة وتفصيلاً.
من الطبيعي أن لا يحبّ الناس فكرة تقييد الحرية بأي طريقة. ربما يبقى المرء من بيته يوماً أو أيام، بإرادته الحرة. إما إذا انغلق الباب عليه وانكسر المفتاح في القفل، فسوف يحتله الضيق ويشعر بالاختناق في عشر دقائق. وربما كان كثيرون من الذين خرجوا قبل يوم الجمعة سيجلسون في بيوتهم بلا حظر، لكنهم لم يحبوا أن يكون جلوسهم فيها مفروضاً لا يمكنهم معه تغيير رأيهم والخروج، مثل الذي أقلعت به طائرة ولا يستطيع النزول، مهما كانت مشاعره، قبل بلوغ المطار التالي في رحلة طويلة.
حصار كورونا درجة متطرفة من «حظر» بدأ قبل ذلك بكثير بالنسبة لنا في الشرق الأوسط. منذ هجمات أيلول (سبتمبر) قبل نحو عقدين، أصبح جزء كبير من العالم غير مرحِّب بالشرق أوسطيين. أصبحوا في عين الآخرين «إرهابيين» محتملين، وبذلك ضاق العالم الذي يمكننا التجوال فيه. وبعد ذلك، منذ 2011 واشتعال منطقتنا مع «الربيع العربي»، ضاق مجال التنقل أكثر. أين يذهب المرء من هنا ليغير الأجواء مثلاً؟ إلى سورية التي كنا نصلها في ساعتين وأصبحت تضج بالخطر؟ إلى العراق الذي كان قبل عقود من أوائل الوجهات عندما تنبت للشباب أجنحة ويبدأون تجربة التجوال، وأصبح محتلاً؟ إلى مصر التي لم تستعد توازنها ويختلط فيها الحابل بالنابل؟ إلى تركياً التي كانت تشهد تفجيرات وهجمات؟ إلى الجزائر التي تشهد احتجاجات واضطرابات؟
ومع صعود ترامب إلى السلطة في أميركا، انغلقت تقريباً وجهة مثلت للكثيرين حلماً باعتبارها «أرض الفرصة» المؤكدة التي يمكنك أن تأكل فيها إذا كان لديك صنارة وخيط. وبالتزامن، صعدت موجة مد من الشعبوية المتطرفة في أوروبا، وأصبح العداء للقادمين من أي مكان، خاصة من بلادنا، ومناهضة الهجرة وتعدد الثقافات، عواطف معلنة وشعاراً انتخابياً كاسباً.
وأخيراً، جاء فيروس كورونا ليختم على آخر المساحات المفتوحة، ويختزلها إلى حدود البيت، أو غرفة عزل، أو بقعة من العالم يعلق فيها المرء ولا يستطيع منها خروجاً. لم يعد الأمر يتعلق بضيق خيارات التجوال، وإنما بانغلاق كل المساحات. لم تعد الدول تستقبل ولا ترسل. وتوقفت الطائرات والقطارات وأغلقت الحدود، وانخفضت حرية التنقل في العالم إلى قرب الصفر.
يقترح منطق الوباء أن الحصار بالذات، بالحظر والعزل والإغلاقات، هو المقدمة الضرورية للقضاء على الفيروس ثم رفع الحصار. ولأن الوباء استعمر كل البلدان، أصبح الذهاب إلى أي مكان مثل الهروب من الرمضاء إلى النار. وينطبق ذلك على داخل البلدان التي يطال فيها التفشي كل الأركان. ويطال الحصار كل شيء، من الاجتماعيات، إلى الاقتصاديات، إلى النفسيات، إلى السياسات. ولم يكن العالَم أضيق على الفرد في أي وقت مثلما هو الآن.
في انتظار اللقاح، الأمل الوحيد لاستعادة شيء من الطبيعي القديم قبل الوباء –الذي لم يكن طبيعياً بمعايير توتر العالَم والضغط على الإنسانية، سوف يتجول الناس في مساحات مقتضبة. وسوف يحتارون أمام كل القرارات، من فتح المدارس، إلى كمية التواصل، إلى الموازنة بين تشغيل القطاعات وتعطيلها. وليس هناك مكان ينجو فيه متخذو القرار من الارتباك أمام كل شيء. ولن يمر الخطأ في التقدير بتكلفة قليلة، لأنه سيعني إطالة أمد الحصار وإيصال الأشياء إلى نقطة الاختناق.
كأن الوباء جبّ كل الاختلالات التي تعتري هذا الكوكب والمتاعب التي تهاجم الإنسانية المتعبة. ولعل من الحكمة الآن تحييد المعارك الجوهرية التي أصبحت الآن جانبية، والتحلي بشيء من التسامح مع الاجتهادات والارتجالات، وافتراض حسن النية في الآخر من أجل تسلية الذات. وفي الأثناء، ينبغي الالتزام بالتعليمات، حتى لو كانت تعني الخضوع للحصار، بأمل أن ينفك شيء من الحصار.

انتخابات 2020
26 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock