أفكار ومواقف

“لا نأسف لإزعاجكم”..!

يَمر الناس منذ فترة بموقع إنشاءات خط “الحافلات سريعة التردد” أمام الجامعة الأردنية فلا يلاحظون تغيُّراً يُذكر في المشهد. يتأملون وهم عالقون في أزمة السير وحفر الطريق، فلا يجدون تلك الحركة الدؤوب الشبيهة بخلية النحل للآليات والعمال، التي عادةً ما تشاهَدُ في موقع إنشاءات نشِط. ولا يرون انسحاباً للركام الفوضوي أمام شكل من الترتيب. ولأنهم يرون كيفَ يُنجزُ الآخرون بناء جسر في بحر شهر، أو محطة قطارات في أسبوع، فإنهم يستغربون البطء في إنشاء مسار وسط شارع عامل -خاصة وأن ما ظهر من الجزء المنجز من هذا المسار يوحي بأنه ليس صناعة صاروخ بالضبط.
لا بُد من ملاحظة أن المقاطع المتباعدة المنجزة من هذا المسار لـ”الباص السريع” حجَزت قطاعاً عريضاً في منتصف الشارع وضيقته على مستخدميه منذ سنوات بلا داعٍ. كما أتلف الزمن والهجران جزءاً من أثاث المسار. وأظهرت التوقفات الكثيرة والسرعة السلحفائية في إنجاز ما أُنجِز أن مشروعاً ينبغي أن يحل معظم مشكلة النقل والسير في العاصمة لم يكن مدروساً كما ينبغي وظلت تكتنفه المشاكل.
في العالَم الحديث، يضعون التصاميم الهندسية لمشاريع الطرق ويُقدّرون الجدوى، ثم يؤمِّنون التمويل والمواد، ويجهِّزون القطع والإكسسوارات الممكن تحضيرها مسبقاً بعيداً عن موقع المشروع، ثم يبدؤون عملية الفك والتركيب وفق نسق سلسٍ وجدول زمني محسوب. وغالباً ما يتم الإنشاء لمقطع قصير في إثر مقطع بحيث تُختزَلُ معاناة الناس والطريق، ويرى المارة في المساء شيئاً غير الذي رأوه في الصباح. ومن المنطقي افتراض إمكانية إنجاز كيلومتر من المسار والانتهاء من بنيته التحتية والفوقية في وقت لا يكادُ يُلحظ، لو جرى العمل عليه 24 ساعة وسبعة أيام في الأسبوع، وكانت لوازمه جاهزة سلفاً.
لا يفترق الأداء في الخدمات من هذا النوع عن النسق –أو اللانسق- العام في الإدارة كما ألفناه. فمن البيروقراطية في الدوائر وآلية إنجاز المعاملات، إلى تعثر المشاريع وضبابية الاستراتيجيات، إلى إدارة الاقتصاد وارتباك العلاقة بين المواطن والمؤسسات، ثمّة فجوة بين الوقائع والتوقعات. وفي حين توضَع في أماكن العمل التي تعيق سير حياة الناس شاخصة تقول لهم، “نعمل لخدمتكم، ونأسف لإزعاجكم، فإننا نكاد نلمح عند كل المفترقات إعلانات تقول لنا: “لا نعمل لخدمتكم، ولا نأسف لإزعاجكم”!
قصة “الباص السريع” مجرد عارضٍ لقصة المشاريع و”الإصلاحات” من أي نوع في خبرتنا العامة. لذلك، تخيم على الناس مناخات من عدم اليقين والانزعاج، مع انطباع بأن “الخدمة” لا ينبغي أن تُقدَّم هكذا وأن الإزعاج يفوق الخدمة. وفي كل مكان، ثمة “إصلاحات”، وإنما بلا آليات تهدر ولا عُمالٍ يهرولون ويتصادمون، ولا تلك الحركة الموحية بالحياة وقرب الإنجاز وتوسيع الطريق.
قد يفكر المرء في الفارق بين المسؤولين المنتخبين والآخرين المعينين. فالمسؤول المنتخَب يعرِفُ أنّه انتُخب ليَخدُم وأنه عُرضة للمساءلة، بحيث يمكن أن يعود إلى بيته في أول انتخابات قادمة –أو حتى قبل ذلك إذا بدرت منه مخالفة أو تقصير. لكنَّ المسؤول المعين، الهابط من أعلى يجد نفسه في مكانٍ فوقيّ يعصمه من مغبة المساءلة، خاصة من أولئك الذين “تحت” ولا فضل لهم في رفعه إلى المنصب ولا طريقة لإنزاله منه. والقادم من فوق لا يعرف تضاريس المكان “الآخر” الذي ينبغي أن يخدمه ويصلح أحواله، ولذلك يحدث الانفصال وتناقض الرؤية والخطاب.
إذا تعلق الأمر بحُفر أو إنشاءات متعثرة على طريق، أو بالبنى الكُبرى على طريق التقدم الجمعي العريض، فإنّ الأمر يتعلق غالباً على توفر الأدوات لترجمة “انزعاج” الناس إلى شيء عملي واضح ومكفول. وعندما يكون للناس –أصحاب المصلحة الأساسيين في الأوطان- قولٌ فيما يُصنَع بهم ولهم تكفله لهم القوانين والترتيبات، سوف يكون صاحب اليافطة حريصاً على تطبيق العبارة المُعتذرة، “نعمل لخدمتكم، ونأسف لإزعاجكم”. أما بخلاف ذلك، فلا داعيَ للاعتذار عن التأخير في فتح أي طريق، ولينزعج الناس كما يشاؤون!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock