أفكار ومواقف

لا نستحق هذا الواقع!

فضيحة الخبز التي تدفقت عبر بث تلفزيون المملكة، ليست الأولى ولا الأخيرة، اذ قبل القمح المسموم، كانت السجائر المغشوشة، وفضيحة الغذاء والدواء المغشوشين، والبنزين المغشوش، وبين كل هذا وذاك، سلسلة طويلة من الكوارث في البلد.
عن أي روح معنوية نتحدث هنا، وعن أي ثقة يمكن وضعها في أي حكومة، ومن نحاسب ومن نترك في هذا البلد، هذا فوق قصص الفساد الثابتة وغير الثابتة التي تقدر بالمليارات، فوق قصص ديوان المحاسبة والمخالفات، وغياب المعايير في التعيينات، وتفشي الرشوة، والفقر، والبطالة، وغياب العدالة، وكل أنواع الفساد التي تتمدد دون أي محاولة لوقفها او التخفيف منها؟!
من هو السبب الأساس في ذلك، حين نرى وطنا عظيما، يتم تفكيكه بالتدريج، ولو كان وطنا خربا، لفهمنا ان المزيد من الخراب، لن يضره بشيء، لكنه كان مضرب المثل في كل شيء، فتم تركه مثل هرم كبير، لتتساقط حجارته، الحجر تلو الآخر؟
لا يستحق الأردنيون هذا الواقع، فهم لم يقعوا في خطايا قومية، ولم يخونوا، وكانت شخصيتهم الاجتماعية عصية على التحطيم، وبقيت معتدة بكل إرثها وتاريخها، شخصية طيبة وكريمة فيها كل صفات الخير ونصرة المظلوم والأخ والشقيق والجار، شخصية لم تحمل في عنقها اثم غيرها، ولم تتورط في الصغائر، ولا الكبائر، ولا ورطت غيرها لتدفع الثمن اليوم.
أين كانت كل مؤسسات الدولة كل هذه السنين عن هذه التراجعات، وماذا كانوا يفعلون، وكل شيء يتراجع بالتدريج، حتى القطاعات التي كنا نعتبرها الأولى عربيا، تم تركها لتتراجع، وتفقد مزاياها التنافسية، التعليم والصحة والسياحة، وغيرها من قطاعات!
لم يعد كافيا اليوم، اتهام هذه الحكومة او تلك، لأن كل هذه التراجعات بحاجة إلى وقفة مختلفة، فنحن نتفرج على بلد يظلنا جميعا، له في عنق كل واحد فضل، نتفرج عليه، ونوزع التهم على بعضنا البعض، ونعتبر ان إلصاق التهمة بفلان او علان يكفي لتبرير كل هذا الخراب، ونتعامى عن عمومية المشهد، وهذا النخر الكبير المستمر في جسم البلد بأكمله.
رغيف الخبز غدا مسموما، والدواء من الصنف الثاني، والبنزين يدمر السيارة، والدجاج يعاني من اختلال الهرمونات، ويسبب الأمراض والسكري، والسيجارة فوق أضرارها المعروفة، يتم تحويلها إلى أداة للشروع بالقتل بسبب خلطاتها القاتلة، والخضار والفواكه يتم ردها من العرب بسبب السميات فيها!
عن أي خطط وتطلعات وبرامج وحكومات وبرلمانات نتحدث، وهذه الفضائح التي تتكشف يوما بعد يوم، تكشف أن هناك عالما سريا في الأردن، لا يعرف اغلبنا اسراره وتفاصيله، هذا فوق المخفي والمستور، الذي لم تتفجر حكاياته، ولم تصلنا شظاياه، حتى يومنا هذا؟
لقد آن الأوان ان نعترف ان البلد بحاجة إلى انقاذ بغير الطريقة السائدة حاليا من بيع الأوهام، اذ ما نفع كل هذا والأردني لا يجد قوت يومه، فيصطف الآلاف لتوفير خمسة دنانير في شراء البنزين، وفوق هذا يتم السخرية منه وإهانته بلاذع الكلام من جانب فلاسفة المعلقين الذين لم يجدوا شيئا ليهينوه سوى ذاتهم الوطنية؟
ثم يأتونك ويقولون لا تصدقوا الاشاعات، وهم يتناسون هنا، ان المثبت من الحقائق مثل قضية الخبز المسموم والسجائر المسمومة وغيرها من ملفات مثبتة، كفيلة وحدها بتدمير الروح المعنوية، فما بالنا بالملفات التي يختلف عليها كثيرون، ويصدقها البعض، وينفيها آخرون؟
يبقى السؤال المحير حول السر في ترك البلد ليصل إلى هذه الحالة، إذ لا يعقل ان يكون طبيعيا ان تشب الحرائق في بيتك الصغير، مثلا، وتتفرج عليها، باعتبارها أمرا عاديا، من عمل الانسان او الشيطان، فيما الحرائق الكبرى، يتم التفرج عليها أيضا، وكأن الأمر لا يخص أحدا في هذا البلد المبارك الذي يراد له أن يموت ونحن نتفرج عليه.
لقد آن الأوان، أيضا، ان نقف عند عمومية المشهد، بدلا من سياسات الترقيع اليومية، وترحيل المشاكل، وجدولة الاحلام، وسياسات بيع الوهم، وان نتذكر أن الميقات لم يعد ميقات كلام.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock