صحافة عبرية

لا يعرفون ما هو الضم

هآرتس
رامي لفني 29/6/2020

ليس من الواضح الى أي درجة يؤيد الجمهور في اسرائيل خطة الضم – هناك استطلاعات مختلفة تظهر نتائج مختلفة – لكن من الواضح أن الجمهور، سواء بسبب تأييد خفي أو بسبب عدم المبالاة، لا يعارض الضم عن قصد. السياسة في سبات، الميادين فارغة، الشبكات الاجتماعية منشغلة بأمور اخرى. هذه الخطوة التي تدفن فعليا حلم الدولتين والتي فقط قبل بضع سنوات اعتبرت خيال مجنون لليمين الراديكالي ولم يتجرأ أي سياسي عاقل على طرحه بجدية – تستقبل الآن بصمت مطبق تقريبا.
ما الذي حدث هنا؟ بين عشية وضحاها تحول سكان اسرائيل الى اتباع لحلم ارض اسرائيل الكاملة، والى من يقسمون باسم ارض الآباء والأجداد أو الى مؤيدين للمستوطنات المعزولة. السبب في أن الاسرائيليين يوافقون على الضم لا ينبع من ايمانهم به، بل عن عدم معرفة. هم لا يعرفون ما هو الضم. وهم لا يفهمون معنى الكلمة. صحيح أنها تحلق قرب أذنهم مثل شخصية معروفة من مكان ما، والمقاطع ما تزال تتجمع في تركيبات دلالية مناسبة بالعبرية – لكن الكلمة فقدت سياقها في أذنهم: لا تاريخ ولا دلالات سياسية ولا معان ثقافية واخلاقية. هي الآن كلمة “ضم”، وهي نغمة فارغة، طرق على باب خزانة فارغة، حدث لها ما حدث لكلمات مثل “سلام” و”دولة فلسطينية”، التي بعد فترة طويلة من حملة الانحطاط وزيادة غباء الوعي المدني لدى شعب اسرائيل تحت حكم نتنياهو، تم اجتثاثها من كل خطاب ذي صلة، ومن كل سياق ومن كل ذكرى أو مشاعر حية، سواء وطنية – صهيونية أو جيوسياسية، الذي في اطاره كان يمكن فهمها ومناقشتها. ولكن كيف يمكننا المناقشة عندما لا يكون للكلمات معنى مشترك عدا عن المعنى الاستقرائي الضيق الذي يحدده ويعطيه رئيس الحكومة لها.
الاستطلاعات تظهر بأنه ايضا مؤيدي الضم غير متسرعين لتطبيقه. فهو يوجد في اسفل سلم اولوياتهم بعد معالجة الكورونا والاقتصاد. وهم غير متحمسين للضم، بل يتدفقون “مع الضم بهز الكتف”، ليكن ذلك، لماذا لا، اذا كان هذا مهما لنتنياهو، وغانتس لا يعارض. السؤال بالنسبة لهم هو في الاساس مسألة تماهي عقاري لاصحاب بيوت مع المستوطنين. الرغبة في أن يوفروا عليهم عملية الازعاج في الحصول على مصادقة من الجيش من اجل اغلاق شرفة. هذا ليس عدالة، هذا قمع. قلب يهودي دافئ يقتضي أن اليهود في اسرائيل، وفي كل مكان، يمكنهم أن يفعلوا بممتلكاتهم ما يريدون. من قال بأنه مات لدينا التضامن المتبادل.
امام عجز نقابي ونسيان جماعي كهذا، اليسار يقف عاجزا تقريبا، مثل عم مهتم يحاول اثارة الاهتمام بقصص من طفولته. هو يحذر من اشتعال عنيف في المناطق، ومس بالعلاقات مع الدول العربية وعقوبات دولية – وعلى المدى البعيد ايضا، من تصفية خيار الدولتين. ولكن على ضوء الهدوء النسبي والاستقرار الزائف السائد هنا حتى الآن، فان اقوال اليسار تبدو مثل اقوال هستيرية غير مفهومة – ويتشككون من أنه يأمل بسبب يأسه حدوث اعمال شغب من اجل أن يثبت براءته. اليسار يجد صعوبة في استيعاب أنه لم يعد هناك ماضي أو مستقبل، بل يوجد فقط حاضر.
تنكيل نتنياهو بالتفكير السياسي في اسرائيل عن طريق دعاية لا تتوقف وتوريث ثقافة كذب ممنهجة، وتحييد المجتمع السياسي (المعارضة، الجهاز الاكاديمي، المنظمات، الاعلام والمثقفين)، التي كان يمكن أن تطرح بديل واحياء نقاش عام، هي جريمته الكبرى ضد الديمقراطية، وهي أكثر خطوة من جميع ملفاته الجنائية معا. نوعية الثقافة السياسية للمواطنين – منها فهم المصلحة الوطنية الحقيقة وتعلم الدروس من سوابق اخرى وابراز العلاقة بين الاسباب والنتائج وفهم حدود القوة ومعرفة النظام الاقليمي والعالمي – هي احد المؤشرات الاكثر اهمية الى جانب عمق التضامن الاجتماعي ومعرفة منعة الدولة. واستنزافها المتعمد لدوافع شخصية هو وصفة أكيدة للكوارث. الرأي العام يوجد الآن في وضع سيئ، ليس أقل مما كان عليه في حرب يوم الغفران: مزيج من التساهل، تبلد الاحساس، قمع وغطرسة. ومثلما في 1973 فإن مبدأ الواقع سيأتي للأسف في نهاية المطاف وسيظهر دائما.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock