أفكار ومواقف

لا يعرف مرارة اللجوء إلا من يكابده

نظرياً، يتوقع اللاجئ الجديد أن تكون فترة اللجوء قصيرة، تتبعها العودة السريعة إلى الوطن، وإلا أصبح لاجئاً “على طول”، والمخيم والبراكية هما بيته، والعذابات لا تنتهي، بخاصة في فصلي الصيف والشتاء. نعم، قد يتوافر له الملجأ والغذاء والماء. ولكنه بمرور الوقت يفقد كل إحساس بالغرض أو الهدف. وكلما طال أمد اللجوء، زادت المعاناة وزاد اليأس.
إن الحياة الجديدة في معسكر أو مخيم اللجوء انقلاب؛ فالجماهير تصطف في خطوط لاستجداء مخصصات الغذاء والماء، ولا يوجد عمل للاجئ لأنه لا يوجد شيء يعمله. لذلك، تصبح حياته جحيماً وعلى وتيرة واحدة من الروتين أو الملل، ومن دون أي أمل أو طموح أو أحلام، وبخاصة بالنسبة للشباب.
وعليه، وبسببه، يصاب كثير من اللاجئين بالاكتئاب، وفقدان الكرامة والهوية والإحساس بالانتماء، مما يقتل الروح. ليس لديهم خيارات. إن حياتهم تتجمد. ولعل هذا هو الذي يدفع كثيراً منهم إلى ركوب البحر والفرار من هذه الحياة، وإن كان الغرق/ الموت محتملاً جداً. لماذا؟ لأنهم لا يستطيعون تقبل اختصار مصيرهم في موضوع للإحسان.
وما يزيد من عذاباتهم، الشك فيهم أو الحذر منهم من المواطنين في بلد اللجوء عندما تقع أحداث عنف في المخيم، وقيام الإعلام بتصعيد الشك والحذر وتضخيم التأثير السلبي للاجئين اجتماعياً، واقتصادياً، وثقافياً، وسياسياً، مع أنهم يسهمون في كثير من الأحيان في النمو الاقتصادي إذا سمح لهم بالعمل.
لا يعرف أحد -ربما في العالم أجمع- مرارة اللجوء مثل اللاجئين الفلسطينيين الذين يرثون اللجوء عن الأجداد والآباء والأمهات، جيلاً وراء آخر، لأنه لا يبدو أن للجوئهم نهاية. ومن ثم تختلف نفسياتهم وحاجاتهم عن حاجات غيرهم من اللاجئين ونفسياتهم.
إن قصة اللاجئ الفلسطيني “جهاد” الفار من مخيم اليرموك في دمشق جديرة بالذكر. إذ إنه بعد مرور ثمانية أشهر على وصوله إلى برلين في ألمانيا، لم يجد عملاً أو أحداً يوظفه مع أنه خريج جامعة، ويجيد اللغة الإنجليزية، ولغته الألمانية كافية، ولديه خبرة كصحفي عمل مدة خمس سنوات مع الأمم المتحدة كمساعد في توزيع الغذاء في مخيم اليرموك الذي كان يعيش فيه نحو نصف مليون لاجئ فلسطيني، ولم يبق فيه سوى بضعة آلاف يبدون كالأشباح.
عندما يجد جهاد من يبحث عن موظف مثله لتشغيله، فإنه سرعان ما يتخلى عنه بمجرد معرفة أن اسمه جهاد. صار اسمه عقبة لأنه يتكرر ربط هذه الكلمة/ الاسم بالإرهاب الذي تمارسه “القاعدة” و”داعش”.
ويحدث جهاد نفسه: إن كلمة “جهاد” المسمى بها ليست مشحونة بهذه المعاني في اللغة العربية، وإن المسلمين والمسيحيين في بلادنا يسمون أولادهم وبناتهم بها، وتعني بذل مزيد من الجهد لتحقيق شيء أو هدف ذي قيمة.
يحذر العلماء والسياسيون الإنسانيون من نسيان اللاجئين السابقين أو الأولين، وتوقف العمل لعودتهم لبلادهم بانفجار مشكلة لاجئين جديدة. لقد نسي العالم مشكلة اللاجئين الفلسطينيين بعد انفجار مشكلة اللاجئين السوريين والعراقيين وملايين آخرين.
وختاماً، يبدو للمراقب أن كل بني آدم في هذه المنطقة المنكوبة معرض للجوء، وكأنها أرض لا تصلح إلا لزراعة الخيام.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock