ترجمات

لا يمكنك معارضة الاستعمار الاستيطاني في أستراليا وتأييده في فلسطين‏

‏‏إيم هيلتون* – (مجلة 972+)‏‏ ‏‏31 آب (أغسطس) 2022
ترجمة: علاء الدين أبو زينة‏

‏تزعم المؤسسة اليهودية الأسترالية أنها تدافع عن حقوق السكان الأصليين، لكنَّ ولاءها للصهيونية يُعلّق سلامة اليهود على شرط إنكار التحرر الفلسطيني.‏

وينطوي ذلك على مفارقة مثيرة للقلق: مع احتفاظ الغالبية العظمى من المنظمات المجتمعية اليهودية ‏‏بالتزامها بالصهيونية‏‏، فإنها إما تظل صامتة إزاء -أو أنها تدعم- مشروع إسرائيل المستمر منذ وقت طويل للتطهير العرقي للفلسطينيين الأصليين، الذي له أوجه تشابه واسعة مع تاريخ أستراليا الاستعماري الخاص.

* *
في حين أنه من المهم لليهود الأستراليين التفكير في الطرق التي يستفيدون بها من إرث الاستعمار الاستيطاني وآلياته المستمرة، وأن القيام بذلك يشكل خطوة أولى إيجابية نحو معالجة تشريد شعوب “الأمم الأولى”، أو “الشعوب الأصلية”، فإن مثل هذه الإيماءات تنطوي أيضًا على مفارقة مثيرة للقلق: مع احتفاظ الغالبية العظمى من المنظمات المجتمعية اليهودية ‏‏بالتزامها بالصهيونية‏‏، فإنها إما تظل صامتة تجاه -أو أنها تدعم- مشروع إسرائيل المستمر منذ وقت طويل للتطهير العرقي للفلسطينيين الأصليين، والذي له أوجه تشابه واسعة مع تاريخ أستراليا الاستعماري الخاص.‏
* *
‏في تشرين الأول (أكتوبر) من العام الماضي، أطلقت حركة شبابية صهيونية أسترالية دعوة عبر تطبيق “زووم” لقادتها الشباب تحت عنوان “اعتراف بلد”. هذه المجموعة، التي كنت ناشطًا فيها عندما كنت مراهقةً والتي كانت قد دعتني للتحدث عن نشاطي المناهض للاحتلال في المملكة المتحدة وفلسطين وإسرائيل، اعترفَت بشعب “غاديغال” من أمة “إيورا” على أنه المالك التقليدي للأرض، وأشادت بكباره في الماضي والحاضر، وأكدت أنه “لم يتم التنازل عن السيادة أبدًا”.‏

مقاتل سابق في مجموعة فاغنر يتحدث عن تجربته

أصبحت حركة “اعتراف البلد” شائعة في أستراليا، كما هو الحال في الولايات المتحدة وكندا، في محاولة للاعتراف ‏‏بالفظائع التي ارتكبها المستوطنون‏‏ ضد سكان “الأمم الأولى” الأصلية في تلك البلدان، فضلاً عن ‏‏السياسات الاستعمارية‏‏ التي ما تزال قائمة حتى يومنا هذا.

لكن المفارقة المتمثلة في اعتراف حركة شبابية صهيونية بمُلكية السكان الأصليين في أستراليا للأرض، في مؤتمر عقد

عبر الإنترنت حول ثيمة “عَيش قيمك”، فاتت على ما يبدو على المشاركين.‏

تفخر الجالية الأسترالية اليهودية بشكل متزايد بالتزامها بدعم نضال شعوب “الأمم الأولى” من أجل إيصال العدالة إليهم في ضوء ماضي أستراليا الاستعماري وحاضرها.

اليوم، تستضيف العديد من المعابد اليهودية فعاليات مع نشطاء “الأمم الأولى”، في حين تجذب المنظمات المجتمعية مثل “‏‏ستاند أب”‏‏ زبدة الشباب اليهود التقدميين للعمل في شراكة مع مجتمعات “الأمم الأولى” النائية في جميع أنحاء البلاد. حتى أن “بيتار”؛ حركة الشباب اليمينية المتطرفة التي أسسها الزعيم الصهيوني التحريفي، زئيف جابوتنسكي، إلى جانب “مجلس النواب عن نيو ساوث ويلز”، وقعت ‏‏خطاب دعم‏‏ في العام 2020 لبيان أولورو -وهو مبادرة لتكريس أصوات شعوب “الأمم الأولى” في الدستور الأسترالي.‏

في حين أن من المهم أن يفكر اليهود الأستراليون في الطرق التي يستفيدون بها من إرث الاستعمار الاستيطاني وآلياته المستمرة، وأن القيام بذلك يشكل خطوة أولى إيجابية نحو معالجة تشريد شعوب “الأمم الأولى”، فإن مثل هذه الإيماءات تعرض أيضًا مفارقة مثيرة للقلق: مع احتفاظ الغالبية العظمى من المنظمات المجتمعية اليهودية ‏‏بالتزامها بالصهيونية‏‏، فإنها إما تظل صامتة إزاء -أو أنها تدعم- مشروع إسرائيل المستمر منذ وقت طويل للتطهير العرقي للفلسطينيين الأصليين، الذي له أوجه تشابه واسعة مع تاريخ أستراليا الاستعماري الخاص.‏

القس دون فاغنر: عن الصهيونية المسيحية والقضية الفلسطينية -(2-1)

وبينما يربط الأستراليون التقدميون بشكل متزايد بين النضالات من أجل التحرر وإنهاء الاستعمار في الداخل والخارج، فإن المؤسسة الأسترالية اليهودية، باحتفاظها بولائها لحركة استعمارية، تخاطر بعرض اليهود على أنهم غير متوافقين مع هذه الحركات الأوسع من أجل العدالة، وتقديمهم على أنهم خارج نطاق السياسة التقدمية -حتى في الوقت الذي تروج فيه لنواياها الحسنة إزاء إنهاء الاستعمار عندما يتعلق الأمر بشعوب “الأمم الأولى”.

ولا يشكل هذا التوجه خطرًا على سلامة اليهود فحسب، بل إنه يلعب أيضًا دورًا في الفكرة الخاطئة القائلة إن دعم المجتمع اليهودي يجب أن يكون معلّقاً على معارضة التحرر الفلسطيني -وهي هراوة شائعة تستخدم لمهاجمة وإسكات المدافعين عن فلسطين، وتتعارض مع القيم التي يفترض أنها تدعم الالتزام بحقوق السكان الأصليين في أستراليا.‏

أبعد من التصور‏

الجالية اليهودية في أستراليا هي جالية “جديدة” نسبيًا، ‏‏تضاعف حجمها ثلاث مرات بين العامين‏‏ 1946 و1961 (من حوالي 20.000 إلى حوالي 60.000)، حيث وصل عشرات الآلاف من الناجين من المحرقة النازية والفظائع التي فروا منها في أوروبا.

ولكن، على عكس الجاليات اليهودية في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، التي أعربت أجيالها الشابة عن مقاومة متزايدة لسياسات المؤسسة المجتمعية اليهودية في السنوات الأخيرة، تميل حتى الأجزاء الأكثر تقدمية من المجتمع اليهودي الأسترالي المنظم إلى البقاء ثابتة على صهيونيتها.‏

وفي حين أقام الأستراليون اليهود، في بعض الأحيان، أوجه تشابه بين تشريد واضطهاد شعوب “الأمم الأولى” وتشريد اليهود في جميع أنحاء العالم، رسخت فترة ما بعد الهولوكوست إسرائيل بقوة كقصة تحرر يهودي، بدلاً من كونها استعماراً.

وهذا، إلى جانب فهم ضحل لتأثير الصهيونية على الفلسطينيين طوال القرن الماضي، يجعل المقارنات بين شعوب “الأمم الأولى” والفلسطينيين أبعد من التصور بالنسبة للغالبية العظمى من اليهود الأستراليين.‏

في الواقع، يعكس التنافر المعرفي الذي ينشأ لدى العديد من الأستراليين اليهود عندما يواجهون أوجه التشابه الواضحة بين الاستعمار الاستيطاني في أستراليا وفلسطين، كيف أن الأطر التعليمية المجتمعية اليهودية تعفي إسرائيل من القيم العالمية الأوسع التي تحكم دعواتنا الأخرى إلى العدالة الاجتماعية ودفاعنا عنها.

وقد عمل أنصار إسرائيل والمدافعون بجد لتجاهل الغايات الاستعمارية للقادة الصهاينة، مثل ديفيد بن غوريون ‏‏وجوزيف فايتز‏‏ -الذين لم يخفوا أبدًا طموحهم إلى طرد الفلسطينيين بشكل جماعي ومنعهم من العودة إلى بلدهم بعد النكبة- مع تأكيد مفهوم غير مسيس للكيبوتسات الإسرائيلية، وصناعة التكنولوجيا الفائقة، والبراعة العسكرية.‏

هذه المقاومة للاعتراف باضطهاد الفلسطينيين تشكلها، في جزء منها، قوى أوسع في المجتمع الأسترالي. ثمة تيار كامن من الإسلاموفوبيا -تمت تغذيته في أوائل الألفية الجديدة من خلال التغطية الإخبارية لأحداث 9/11، والانتفاضة الثانية، وتفجيرات بالي وحرب العراق- والذي أسكت بشكل فعال الأصوات العربية والفلسطينية الأسترالية التي تعبر ‏‏حتى عن التعاطف الأساسي مع الفلسطينيين‏‏ في وسائل الإعلام الرئيسية.‏

من غير المرجح أن يكون اليهود بأي حال أكثر كراهية للإسلام من غيرهم من الأستراليين، لكن التزام مجتمعنا تجاه إسرائيل، على الرغم من ‏‏نظام الفصل العنصري الذي تمثله‏‏، يقوم على تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم من خلال اعتبارهم إرهابيين أو معادين للسامية، يريدون دفع “الدولة اليهودية الوحيدة في العالم” إلى البحر.

وعندما يقوم النشطاء الفلسطينيون وحلفاؤهم باختراق جدار الجهل فعلياً، يعتمد قادة المجتمعات المحلية الأسترالية اليهودية على الاستراتيجية متزايدة الشعبية المتمثلة في ‏‏إعلان‏‏ شهادات هؤلاء النشطاء ‏‏وأجندتهم‏‏ معادية للسامية‏‏.‏

من المؤكد أن اليهود الأستراليين ليسوا مسؤولين عما يحدث في إسرائيل لمجرد أنهم يهود، وبالنسبة للكثيرين منهم، فإن تضامنهم مع شعوب “الأمم الأولى” حقيقي وأصيل.

لكن العامل المفقود الحاسم هو أن إنهاء الاستعمار هو حركة متجذرة في الأممية: التحرر للجميع، من دون أن يُترك أحد خلف الركب.

ومن خلال دعم نظام استعماري عنيف، ورفض الاعتراف بأوجه التشابه بين الاستعمار الاستيطاني في أستراليا ونظيره في فلسطين، فإن المجتمع اليهودي يخاطر بأن يُنظر إليه على أنه معارض لحركة العدالة والتحرر أكثر من كونه شريكًا فيها.‏

فرصة للتضامن‏

على نحو يشبه كثيرًا إعلان جيمس بالدوين في الستينيات، الذي قال إنه عندما يتعلق الأمر بمسائل العرق، “يميل الليبراليون البيض إلى أن يكونوا بيضاً أكثر من كونهم ليبراليين”، تواصل الصهيونية اليسارية التعهد بولائها للأيديولوجية الصهيونية قبل وفائها لقيمها الإنسانية والعالمية، كما يتضح من المشاحنات الأخيرة في أستراليا حول ‏‏المقاطعة الثقافية‏‏ الناجحة لإسرائيل ‏‏وحركات “المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات” الطلابية‏‏.‏

ولكن، في هذه الأزمة الأيديولوجية تكمن فرصة لإظهار المزيد من التضامن. وبدلاً من السماح بتشتيت انتباههم بسبب المفارقات الفكرية لـ”الصهيونية الليبرالية” التي أثقلت كاهل نظرائهم في المملكة المتحدة والولايات المتحدة، والتي لا تخدم سوى تأكيد محاولات المؤسسة اليهودية تصوير الدعم الشعبي المتزايد لحقوق الإنسان الفلسطينية على أنه ‏‏هجمات على الهوية اليهودية‏‏، يمكن للتقدميين اليهود في أستراليا التركيز، بدلاً من ذلك، على تنظيم مجتمعهم حول قيم إنهاء الاستعمار، ومناهضة العنصرية، ومساعدة التحرر.‏

يمكن أن تكون أوجه التشابه بين تجارب “شعوب الأمم الأولى” وتجارب الفلسطينيين مصدراً تعليمياً قوياً يمكن استلهامه لتحريض اليهود على الانضمام إلى حركات العدالة الاجتماعية.

وتقوم مجموعات مثل “‏‏جماعة اليهود عالي الصوت‏‏” و‏‏”مجموعة تسيديك‏‏” بالفعل بجزء من هذا العمل المهم -بما في ذلك من خلال حملتها الحاسمة على وسائل التواصل الاجتماعي تحت شعار “‏‏اترك حركة الشباب الصهيوني التي تنتمي إليها” في‏‏ وقت سابق من هذا العام.‏

سوف يكون من شأن التأكيد بشكل أفضل على التقاطعات بين الصهيونية والاستعمار أن يسمح لليهود الأستراليين برفض الرواية السائدة للاستثنائية اليهودية لصالح رواية العالمية.

ويمكن لهذا بدوره أن يضمن عدم إخراج نشاط التضامن مع فلسطين عن مساره بشكل فعال على يد اليمين، الذي يواصل استخدام قضية “الرفاهية” أو “السلامة” اليهودية في حركات التحرير لإلهائنا عن المظالم التي نحاول مخاطبتها.

وأخيرًا، من خلال فصل الهوية اليهودية عن القومية الإسرائيلية، سنكون مجهزين بشكل أفضل للنضال -ليس من أجل إنهاء الاستعمار في أستراليا وفلسطين فحسب، ولكن ربما أيضًا من أجل اليهودية نفسها.‏

*إيم هيلتون Em Hilton: كاتبة وناشطة يهودية تعيش بين تل أبيب ولندن. وهي المؤسس المشارك لـ”نعامود: يهود بريطانيون ضد الاحتلال”، وهي حركة من ‏‏اليهود البريطانيين‏‏ تسعى إلى إنهاء دعم الجالية اليهودية البريطانية ‏‏للاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية‏‏ ‏‏والقدس الشرقية‏‏ ‏‏وقطاع غزة‏‏.

وتقول إن هدفها هو “العمل من أجل الحرية والمساواة والعدالة لجميع الفلسطينيين والإسرائيليين”. كما أن إيم عضو في اللجنة التوجيهية لـ”مركز اللاعنف اليهودي”.‏

*نشر هذا المقال تحت عنوان: You can’t oppose settler colonialism in Australia while endorsing it in Palestine

اقرأ المزيد من ترجمات

حنان عشراوي: بين إرث ترامب ونهج بايدن.. ما الذي تغير؟ (1 – 3)

حنان عشراوي: بين إرث ترامب ونهج بايدن.. ما الذي تغير؟ (2 – 3)

حنان عشراوي: بين إرث ترامب ونهج بايدن.. ما الذي تغير؟ (3-3)

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock